الكسندر دوغين هذا الفيلسوف الروسي الذي عجزت أمهات الغرب أن يلدن مثله، أدلى برأيه فيما يحدث في عصرنا هذا من أحداث جسام، وأعطى الأحداث بعدها الواقعي، واحتمل ما ستفرزه من نتائج، وقد عنون المواجهة القائمة بين ايران وأمريكا، بأنها صراع وجود، بين حضارة ذات قيم تتشبث بإقامة أحكامها في المجتمعات، وتدعو اليها كمشروع بناء حضاري عقائدي، وبين زيف حضاري غربي يرفع شعارات التحرر من كل القيم الإنسانية، ويعتبر أن من ملك القوّة ملك العالم، وبمقدوره أن يفعل بها ما يشاء وكما يحلو له، ولو كان ذلك نقيضا لما كان يروجه، من قيم إنسانية مزيفة ظاهرا وباطنا، وقد لقبها (دوغين) بحضارة بَعْل، وهي ليست بحضارة واقعا.
لم تكن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي
(نيكولاس مادورو) سوى اجراء تعسفي، يسعى نحو الغاء القوانين الدولية بمجالسها
وهيئاتها، فقد أدخل الرئيس الأمريكي (ترامب) العالم في مجال، يعتمد فقط على القوّة
والبطش بكل من يعارضه، وبذلك قام بإسقاط جميع ما كان يدّعيه الغرب بطم طميمه من
دفاع عن الحريات، ورفض للتسلط واستعباد الشعوب، الذي كان سياسة سائدة في القرنين
الماضيين، كما لم تكن الحرب المعلنة على ايران من طرف أمريكا وإسرائيل، سوى فتح
باب استكبار كبير، من شأنه أن يفرض نمطا جديدا من التحكم في العالم بالقوة
الغاشمة.
هذه الحرب العدوانية تحت مبررات
واهية، إن نجح فيها المعتديان الأمريكي والإسرائيلي، سوف تنتقل تجربتها إلى ساحات
أخرى، تكون فيها دول غيرها مستهدفة من أمريكا، مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية
وكوبا، وهذه الدول موجودة على رأس القائمة فحضارة بعل الإبستيني المزعومة لن
تستثني أحدا حتى أولئك الذين سيخضعون لهذه الحضارة الشيطانية سيكونون آخر ضحاياها
بعد استكمال الهيمنة على بقية دول العالم.
وما سكوت وصمت غالبية دول العالم،
وعدم مبادرتها إلى اتخاذ مواقف أكثر جدية من الحاصل الضئيل، الذي لا يساوي شيئا
أمام قوّة مشروع الهيمنة الشيطاني على دول العالم، سوى مؤشر خطير يحاكي حالة
الارتباك الحاصل في حسن التعاطي مع أي طارئ يقع من شأنه أن يذهب بالعالم إلى
متاهات يصعب الخروج منها إلى المسيرة السليمة والصحيحة للبشرية في حفاظها على
القيم الإنسانية الثابتة التي تراعي حقوق الجميع دون تمييز في لون أو عقيدة.
يرى دوغين أن إيران في معركتها ضد قوى
الشر والشيطنة تقف في مواجهة عدوان القوّى الغاشمة ومشروعهم التدميري للقيم
الإنسانية، وصمودها وانتصارها بعد الذي تلقّته من خسائر فادحة على مستوى قيادات
عليا سياسية مدنية وعسكرية بدأ من القائد الخامنئي وأسرته إلى آخر شهيد إيراني
دافع عن مشروع بلاده في ضمان حريات الشعوب واستخلاصها من سيطرة الدعاة للتحرر من
كل القيم الإنسانية الخالية من نزغات الشيطان إيبستين، ونجاح مشروع بعل من شأنه أن
يشجع دولا غربية أخرى إلى الانضمام إلى هذا المشروع التدميري الخطير للقيم
الإنسانية التي وضعها الله للناس احكاما تُراعى وآدابا تُعتمد في معاملات الحياة.
وقد رأينا كيف أصبح الرئيس الأمريكي
يهدد باللجوء إلى القوة المفرطة ضد ايران، بما يعنيه استعمال الأسلحة الغير
تقليدية، والتلويح بضرب ايران بأمّ القنابل دون اعتبار لشيء من القوانين الدولية
التي صنعوها بأنفسهم وشكلوا لها المجالس للنظر فيها، وهذا يعني أن استعمال أسلحة
الدمار الشامل سيدخل العالم في مجال فناء لم يحصل من قبل، ( لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس)
الحرب القائمة اليوم بين أمريكا وإيران،
هي دون شك حرب عقائدية بين نظريتين: الأولى كان الامام الخميني أطلق على قيادتها
بالشيطان الأكبر، وكان محقّا في ذلك، وتبين منذ مدّة صدق التسمية وبعد نظر قائدها،
هذا القائد الراحل رضوان الله عليه، فما كُشِف من مشروع ايبستين، يجعلنا نعيد
المصطلح الذي أطلقه قائد مشروع الثورة الإسلامية ناسبا إياها الى الشيطان نفسه،
وتغير المسميات هنا يزيد من فضح النظرية الغربية القائمة على معاداة القيم
الإسلامية بعد معاداتها من قبل القيم المسيحية.
صوت (الكسندر دوغين) وفكره مسموعين في
روسيا خصوصا وهناك من يعطي لأفكاره قيمة سياسية باعتباره من كبار فلاسفة روسيا في
سائر بلاد العالم، فعندما يتحدّث عن الصراع القائم بين ايران وأمريكا يدعو الروس
ومن ورائهم كل من يعي خطر مشروع بعل الأمريكي إلى أخذ العبرة وتوخي الحذر من سياسة
الأمريكي تجاه دول العالم، حتى لا تتكرر المأساة وينبّه في استنتاجاته أن اطلاق
عناوين عمليات عسكرية صهيونية عقائدية: مثل ( درع يهوذا ) و( عملية الغضب الملحمي )
و( ختم الطوفان )، يجب تقابل ب ( سيف كاتيكون ) بالنسبة لحرب روسيا في أوكرانيا،
وهي حرب الدول الغربية مجتمعة ضد روسيا، تسمية من شأنها أن تغيّر الكثير على
الفور، بما قصده دوغين من حسم الحرب عقائديا بسرعة لفائدة روسيا، بينما نرى ايران
قد أعلنت عناوينها العقائدية الإسلامية بعيدا عن المؤثرات المذهبية رغم انه من
حقها الظهور بذلك، فكان الوعد الصادق واحد واثنين والثالث قادم لا محالة، إلى ان
تحسم الحرب لصالح أهدافها، التي تمهّد لعالم لا غلبة فيه للاستكبار العالمي، عالم
يجد فيه المستضعفون حقوقهم كاملة.
ويرى الفيلسوف الروسي أن هناك ترددا
من جانب قيادته السياسية في اتخاذ قرار حاسم: لكنني أخشى أننا لن نجرؤ على فعل
ذلك، وسنستمر في تكرار نفس السيناريو القديم. وحينها، أكرر، ستنطلق الصواريخ نحو
موسكو في خضم المفاوضات مع (كوشنر) و(ويتكووف)، مُتبعةً السيناريو الإيراني
حرفيًا. حضارة بعل بسيطة: تُكرر نفس السيناريوهات مرارًا وتكرارًا، وتنجح في كل
مرة، لأن الجميع يعتقد أن هذا ينطبق فقط على القذافي، وحسين، وميلوسيفيتش، ومبارك،
ونصر الله، والأسد، أو خامنئي، وليس عليهم. وهكذا، خطوةً بخطوة، تُحقق حضارة بعل
أهدافها.
لذا، إما أن نتحرك بشكل عاجل، أو
سيصبح الوضع بالغ الصعوبة. وإذا كنا لا نزال نتمسك بأي أوهام، فهذا يعني وجود زيف
عميق متفشٍ داخل صفوفنا. ويتضح هذا جليًا في ضوء ما حدث في إيران، وهي كارثة ذات
أبعاد عالمية. فقد قُتل أناسٌ عظماء، وقادة روحيون بارزون. وللمقارنة، تخيلوا لو
قُتل بطريرك موسكو، والرئيس، ورئيس الأركان العامة، وجميع الوزراء الرئيسيين في آن
واحد، إلى جانب أكثر من مئة تلميذة بريئة، قُتلن بالصواريخ. بعد مثل هذا الحدث، هل
يُعقل أن نبقى غير مبالين ونتظاهر بأنه لا يعنينا، وأنه ليس من شأننا؟
وينتهي (الكسندر دوغين) إلى هذه
القناعة: لذا، إذا تحملنا كل هذا والتزمنا الصمت، فسيفعلون بنا الشيء نفسه في
المرة القادمة. ولهذا السبب أنا على يقين تام بأنه في الوضع الراهن، يجب علينا
إعلان حالة الطوارئ فوراً، على الأقل على أعلى مستوى في الحكومة. فالوضع بات حرجًا
للغاية بالنسبة لنا.
ما فات دوغين هنا ـ ولا اعتقد ان
الأمر فاته فهو مطلع على تلك القيم اجمالا أو تفصيلا ـ أن ايران تتعامل مع أمريكا
والعالم وفق القيم والمعايير الإسلامية، متقيّدة بتلك الأحكام، وليس كما يرى أن
لروسيا مجالا أوسع من ذلك حيث لا قيد تقريبا يحول دونها ودون تحقيق انتصار على
الغرب ولو بخرق القيم والقونين المتفق عليها دوليا كما تفعل أمريكا وحلفاؤها الآن.
المصدر بتصرّف:
إيران.. المواجهة الأخيرة ضد بعل
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire