mercredi 21 octobre 2026

في الاحتفال بالمولد النبوي اعتراف بفضل صاحبه واستعادة لسيرته العطرة

 انغماس المسلمين شعوبا وحكومات فيما أوقعهم فيه أعداؤهم من ثقافة هجينة، لا علاقة لها بالقيم الإلهية، جعلتهم ينهلون منها نهل جائع عطشان، ما زادهم بعدا عن دينهم ، وبلوغ أهدافه التي أرادها الله لهم تحقيقها،  يبدو المشهد في هذا الإطار أكثر غباء من جانب عالمنا الإسلامي، وأكثر خبثا من جانب نظُمِ الغرب الصهيونية، وبين هذا الغباء وذاك الخبث تشكلت السياسة بين المعسكرين، بما أسفرت عليه من خضوع وهيمنة، أجهزت على طموحات وآمال شعوب منتشرة في افريقيا وآسيا، تتمنى من قلوب غالبية أهلها، إقامة دينهم الإسلامي نظاما قيّما عليهم، حاكما بشريعته العادلة بينهم، فقد ملّت شعوبنا بجميع أطيافها، بقاءها تحت قوانين ودساتير مستعارة من أعدائهم، وسئمت من شخصيات ممسوخة الفكر، أدوات خبيثة صنعتها ثقافة الغرب، ودعمتها برامج ودعايات دوله، لتصبح أدواته المتجددة في الحكم والسيطرة علينا، بما يعنيه ذلك التمشي السياسي من خطط وأساليب.

تتلألأت أنوار عالمنا الإسلامي بذكرى مولد رسولنا ونبيّنا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله في موعد يتجدد كل سنة، ليذكّرنا كل مرّة برجل عظيم مرّ بعالمنا، مختتما مسيرة 124 ألف نبي ورسول، مشكلا نموذجا قرآنيا متحرّكا بآدابه وأحكامه، في مجتمع نحا بمجمله، إلى جاهلية جهلاء لا مكان فيها للقيم الإنسانية، مبرزا مشروعه الإلهي الكبير في إقامة الحق والعدل، ورفض الظلم والباطل بجميع صروفه وأدواته، نشر الرحمة والأخوّة بين النّاس، في إطار منظومة إسلامية جاء بها كآخر رسالة، متكاملة الأحكام والأهداف بناء متكاملا، لم يفرّط في شيء من أمور الدنيا حتى يستدركه الخلق، فما الذي حدث حتى يتهاوى صرح ذلك البناء على رؤوس أهله، ليصبح مجرّد  منظومة خاوية على عروشها، لا يكاد زائر أوطانها يميّز فيها شيئا يشبه الإسلام، آدابا وأحكاما وثقافة؟

لقد قدّم لنا نبيّ الهدى والرحمة صلى الله عليه وآله من خلال سيرته العطرة، نموذجا من أرفع وأرقى النماذج للإنسان الكامل، دعانا فيه بلسان وحيه المقدس، إلى اتباعه في جميع أوجه حياته: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) (1) تجلت من خلاله رفعة وعظمة أخلاقه، في الغضب والرضا، وفي السلم والحرب، والألفة والعزلة، ولم يعظّم الله أخلاقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) (2) إلا لكونها سلوكيات عالية المضامين، اجتمعت في شخصه المقدّس، لتشكّل بمجموعها نمطا أخلاقيا، دقيق التعامل مع محيطه، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، مراعيا الجانبين المادي والمعنوي في ذلك، من دون اخلال فيهما، تلك الدعوة وذلك النموذج من شأنهما أن يرتفعا بالمسلم، من مسافل الأمم ومساوئ أخلاقهم، إلى معالي ورفيع آداب أصفى وأحب مخلوق لخالقه.

لقد لخّص نبيّنا الأقدس صلوات الله عليه وآله بعثته بقوله: (إنّما بعثت متمما لمكارم الأخلاق)(3) باذلا في ذلك جهوده المضنية، فلم يقصّر في تأليف القلوب من حوله، وترغيبهم في الإلتزام بما بيّنه لهم من أدبيات أساسية في الإسلام، وتجلى حرصه على إقامة مجتمع الأمّة الصالحة، التي ستتحمل مسؤولية نقل القِيم النبويّة ونشرها في العالم، لقد كانت أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله ولا تزال خلاصة تطبيقات سلوكية رفيعة المستوى، تُعتَبَرُ الأساس العملي لحياة الانسان المسلم، فهو القدوة والأسوة الحسنة الذي باتباعه يصحّ انتماءه للإسلام، وبآدابه يرتقي إلى رضوان الله وغفرانه، (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (4)

ومع كل ما قدّمه لنا حبيب رب العالمين من نماذج تطبيقية، قام بها خلال حياته، من آداب تعامل على المستويين الاجتماعي والعام والشخصي الخاص، لم نجد في مجتمعاتنا ذلك الالتزام الواضح بها، كأنّ تلك القيم المحمدية لم يعد لها مكان في حياة مجتمعاتنا، ولا غرابة في كونها اندثرت أيضا في الباطن المعنوي، بحيث أصبح أغلبهم مجرّد أدعياء اتباع نبي برسالة الإسلام، ليخرج قومه من ظلمات الجاهلية القديمة، فامتنعوا عنه بجاهلية جديدة قد تكون أشدّ من الأولى قسوة ووحشية.

لكنه في مقابل هذه الدعوات والترغيبات النبوية، وجدنا صدّا عجيبا صادرا عن أغلب أمّة إسلامية زاغت عن منهاجه، وانحرفت عن سبيله، تقصيرا منها في واجب اتباعه، سجّلت على مدى تاريخها تخاذلا وتقاعسا واخلالا، أودى بها إلى انحرافها عن جادّته جيلا بعد جيل، أفضى بها إلى الابتعاد تماما عن منهاجه، حتى لم يعد يربطها به شيء من آداب وأحكام إلهيّة دعا إليها، وأجهد نفسه الشريفة في بيانها والحثّ على العمل بها، وعوض أن يرتقي المسلمون في سُلّم المكارم كما أمرنا، جاءت نتيجة تخلينا عنها، إلى اتباع أوهام ثقافة الغرب الصهيوني، وتقليد نمطيّته في التحرر من أحكام الله وآدابه، كانت نتيجتها اصطباغ مجتمعاتنا وشعوبنا بألوان خطيرة من المسخ الثقافي والتدني القيمي.

وقد وجدنا شعوبنا الإسلامية اليوم بلا إسلام حقيقي، من شأنه أن يقيم فينا أحكامه بقداستها، ونتائجها الحافظة لقيم وآداب النبي الخاتم صلى الله عليه وآله، إسلام شكلي خاويٌ على عروشه، قبله من قبله دون أن يستنكر منه شيئا، زكاه أدعياء حكم وسياسة منتسبون إلينا لكنهم أبعد ما يكونون عنا انتماء، اسلام خال من الولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائه، وحكاما مسلمين يرون أعداء الدين أولياء لهم عوض أن يتبرّأوا منهم، فأيّ اسلام هذا الذي لا يقدّم شيئا مما ينفع أهله، وأيّ مسلمين هؤلاء الذين انتسبوا اليه اسما وتباينوا عنه فعلا؟

كان من باب أولى لأمّة الإسلام أن تستفيق من غفلتها، وتعي ما حيك لها ويحاك من مسخ ديني، طريقها الوحيد إلى هذا الوعي العودة إلى الأخذ بقيم وآداب النبي الخاتم، فلا شيء يجسّد دينه الإسلامي سوى الاتباع والاقتداء بما جاء به، ولن يقبل الله في عباده الصالحين، سوى أولئك الذين اتبعوا سنن الإنسان الكامل أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله، خلاف ذلك يبقى مجرّد ادعاء خال من الاثبات، ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وآله: يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت(5).

في الإحتفال بذكرى ولادة النبي صلى الله عليه وآله، تجديد عهد بشخصه المقدّس، وتعبير صادق على مدى ارتباطنا به، وتعلقنا بما جاء به من قيم سمحة، ومن اعتقد انتهاء دوره برحيله فهو مخطئ في تقديره، وعليه أن يراجع موقفه من نبيه، مراجعة تعيدُ اعتباره كمنقذ ليس للعرب وحدهم بل للإنسانية المضطهدة بصفة عامة، بل من الواجب تذكر نبيّنا صلى الله عليه وآله، بما يستحق من تكريم وتنويه بشخصه وخصاله، ومخطئ كل من اعتبر الإحتفال بذكرى مولده بدعة، فذلك نفس صهيوني ظهر متأخرا، هدفه انساء المسلمين اتّباع نبيّهم والتخلي تبعا لذلك عن مخزون قيمه التي تشكل تطبيقاته العملية لأحكام الإسلام وآدابه، بعدما صرفوهم عن واجب تعهّد أحكام دينهم والعمل بمقتضاها، ولن يكون المسلم مسلما الا إذا كان متّبعا لنبيه اتباعا حقيقيا، يجسّد بأبعاده حقيقة الولاية، ويترتب عليها نوال محبة الله ومرضاته.

طوبى لمن سعى الى الانتماء الحقيقي لسنن إلهية قيّمة، يُراد اعفاؤها من حياة مجتمعاتنا عمدا، وترك ما دون ذلك من دعوى باطلة، لا أثر مترتّب عليها سوى الانغماس في مستنقع التحرر من الإسلام، وسلبية التعامل مع قضاياه الراهنة، وفي مقدمتها قضية التحرر من الغرب الصهيوني، العدوّ الذي أضرّ بقيمنا الأساسية في الولاية والبراءة، وتركنا دولا وشعوبا نرجو منه الخير، وهو العدو الذي طالما اضمر لنا الشر ونفّذ مؤامراته بيننا ليزيدنا تفريقا وبعدا عن ديننا ونبيّنا صلى الله عليه وآله.

إن في الاحتفال بمولد سيد البشر صلى الله عليه وآله اعترافا بفضله العميم الذي قدّمه لأجيالنا واستحضارا لسيرته العطرة التي فقدت أغلبها شعوبنا الإسلامية، فمن أحيا ذلك اليوم العظيم فقد استمسك بعروته الوثقى، ومن أهمله كما يجهد الوهابية أنفسهم اليوم من اجل إطفاء ذكراه، فقد جفا النبي صلى الله عليه وآله، وجفا ربّه في يوم من أيام الله التي أنتجت رحمة للعالمين.

المراجع

1 / سورة ال عمران الآية 31

2/ سورة القلم الآية 4

3/ قريب من هذا المعنى: إما بعثت لأتمم صالح الاخلاق. مسند احمد مسند ابي هريرة ج14ص512ح8952

4/ سورة التوبة الآية 128

5/ سنن ابي داود اول كتاب الملاحم ج4ص315ح4297/ مسند أحمد مسند الأنصار ومن حديث ثوبان ج 37ص82 ح 22397

mardi 20 octobre 2026

القِيًم الحسينية في ومواجهة الجاهلية السّفيانية



عندما نتناول سيرة الامام الحسين عليه السلام، منذ ولادته حتى شهادته الفريدة في تاريخ البشرية، وخصوصا مسيرته في طلب الإصلاح، التي خرج من أجلها من مدينة جدّه صلى الله عليه وآله وسلم، مفتديا الإسلام بنفسه وولده وأهل بيته عليهم السلام، رجالا واطفالا ونساء، نجده مُقدِما على ما أراده الله أن يراه عليه، برباطة جاش وثبات نادرين، مسلّما بما تعلّمه من جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبيه الامام علي وأمّه فاطمة عليهما السلام، وأكرم بهم من مربّين، لم يجد الزمان بمثلهم، في بيت غير البيت النبوي، الذي شاءت إرادة الله سبحانه أن يشملهم اصطفاءه، ليكونوا حفظة دينه من التحريف والإندراس، والمضحّين من أجله بكل ما يملكون من انفس.
استعجل الطاغية يزيد بن معاوية أمْر إرغام الامام الحسين عليه السلام على بيعته، نظرا لما يمثله من شخصه من مكانة مرموقة في الاسلام فهو سيد شباب أهل الجنة، أحقّيته الشرعية في قيادة الامة، باعتباره الإمام السبط، ثالث المستحفظين على الاسلام المحمدي الأصيل، المفروضة مودّته وطاعته، فبيعته للبيت الأموي طوعا أو كرها، تزيد من حظوظ استقرار حكم ذلك البيت الغاشم، لكن الامام الحسين ليس ذلك الرّجل الذي يمكن أن ينزل الى مستوى تلك البيعة التي لا تليق بشخصية إسلامية كبرى مثله، فوطّن نفسه على رفضها، ومن هناك بدأ في إعلان قِيَمه الاسلامية العليا التي تربّى عليها، والاساسية في العيش الكريم، والحرّية من قيود الظالمين والطغاة.
فجهّز نفسه وأهله للخروج، وكتب رسالته إلى أخيه محمد بن الحنفية جاء من ضمنها: " إني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر". (1)
أعذار المتخلّفين عن نصرة الامام الحسين عليه السلام
وقد يتساءل من قرأ اسم محمد بن الحنفية رضوان الله عليه، لماذا لم يخرج مع أخيه الامام الحسين عليه السلام، وهو فارس صاحب شجاعة وبأس؟ وعادته أنه كان يقاتل في معارك الامام علي عليه السلام ضد أعدائه، متقدّما على الحسن والحسين عليهما السلام، حاميا لهما بأمر أبيه عليه السلام، ووصيته له بالقتال على ذلك النّحو، فيبدو أن بقاءه كان بأمر أخيه الامام الحسين عليه السلام حيث قال له: وأما أنت يا أخي، فلا عليك بأن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا لا تخفى عني شيئا من أمورهم. (2)
هذا وان كتابه الذي كتبه لأخيه، ووصيته اليه، تؤكد أنه استبقاه لحماية من بقي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم  والدفاع عن حقوقهم . (3)
على أنه توجد رواية اخرى تقول، إن المرض أعاقه عن الخروج، وقد ذهب اليه الامام الحسين عليه السلام لزيارته، فوجده على تلك الحال، فتكلم محمد معتذرا: إني والله ليحزنني فراقك، وما أقعدني عن المسير معك، إلا لأجل ما أجده من المرض الشديد، فو الله يا أخي ما أقدر أن أقبض على قائم سيف، ولا كعب رمح، فو الله لا فرحت بعدك أبدا، ثم بكى بكاء شديدا حتى غشي عليه، فلما أفاق من غشيته قال: يا أخي أستودعك الله من شهيد مظلوم. (4)
كلمات الاعتذار هذه إن صحّت، تؤكد لنا البصيرة التي عليها ابن الحنفية، فهو مدرك تماما، أن أخاه الإمام الحسين عليه السلام سيستشهد في العراق، مما يؤكد أن أباه عليا عليه السلام قد أحاطه بما سيجري على أخيه، وأرجح أنه طلب منه نصرته، بل وحثه عليها، كما كان يستحثه من قبل على حجز أخويه الحسن والحسين عليهما السلام، عن الدخول في عمق الأعداء، وهم يقاتلونهم تحت رايته في معاركه المشار اليها سابقا، لذلك من المستبعد جدا أن يكون موقف محمد بن الحنفية متخاذلا.
لما بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين عليه السلام دخل عليه بعض مواليه يعزيه والناس يعزونه فقال مولاه: هذا ما لقيناه من الحسين، فحذفه ابن جعفر بنعله، وقال: يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا؟ والله لو شهدته ، لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما، ويهون علي المصاب بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه ثم قال: إن لم تكن آست الحسين يدي فقد آساه ولدي. (5)
أما بالنسبة لعبد الله بن عباس فقد كان وقتها ضريرا (6) بالتالي فإن كف بصره أقعده عن الخروج مع الامام الحسين عليه السلام، وهو المعروف ببلائه الحسن مع عمه الامام علي عليه السلام، في معاركه التي خاضها ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، ولو كان بصيرا لخرج معه.
حوى معسكر الامام الحسين عليه السلام بسماحته كل برّ تقي رجا الله باتباعه مصباح الهدى وسفينة النجاة، فجميع من كان معه من المستضعفين، الذين تركوا الدّنيا لأهلها، وضربوا في أرض الله  مهاجرين
يبحثون عن عمل يقرّبهم الى الله. قال تعالى:" وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ "  (7) فوجدوا في الامام الحسين عليه السلام القدوة الهادية الى الحق، الذي سلك بهم طريق كرامة الله، فالتزموه يرجون رحمته ويأملون ثوابه، على بصيرة من أمرهم، إيمانا تاما بأنه على منهاج آيائه، صراط مستقيما هُدوا اليه في ذلك الزمن.
في الطرف المقابل يتفاجأ من لم يحط علما بسيرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام عندما يعرف أن قائد جيش العدوّ السفياني ليس الا عمر ابن الصحابي سعد بن أبي وقاص، وسعد هذا كان ممن امتنع عن سبّ الامام علي عليه السلام، كما أمر بذلك معاوية على منابر المساجد، أمرا سلطانيا عاما، امتثل له الاغلبية، باستثاء بعض ممن أيقنوا أنه إساءة بحق علي عليه السلام، وذنب عظيم بحق أهل بيت النبوة خصوصا والاسلام عموما.
أمر معاويةُ بنُ أبي سفيانَ سعدًا فقال: ما منعك أن تَسُبَّ أبا ترابٍ؟ قال: أَمَا ما ذَكَرْتُ ثلاثًا قالهن رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فلن أَسُبَّهُ، لَأَن تكونَ لي واحدةٌ منهن، أَحَبَّ إليَّ من حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقول لعليٍّ، وخَلَّفَه في بعضِ مَغَازِيهِ فقال له عليٌّ: يا رسولَ اللهِ تُخَلِّفُنِي مع النساءِ والصِّبيانِ؟ فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: أَمَا تَرْضَى أن تكونَ مِنِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلا أنه لا نُبُوَّةَ بعدي. وسَمِعتُه يقول يومَ خَيْبَرَ: لَأُعْطِيَنَّ الرايةَ رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه. قال: فتَطَاوَلْنا لها. فقال: ادْعُوا لي عليًّا. قال: فأتاه وبه رَمَدٌ، فبَصَق في عينِهِ، فدفع الرايةَ إليه، ففتح اللهُ عليه، وأُنْزِلَت هذه الآيةُ " فقل تعالوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ  وأنفسنا وانفسكم" الآية دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عليًّا وفاطمةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي. (8)
إن ما حصل يوم العاشر من المحرم سنة 6 هجرية، يؤكد لنا مدى فداحة الانحراف الذي طرأ على الحكومة الاسلامية، منذ حادثة سقيفة بني ساعدة، والتي شهدت حينها انحرافا عن الأحق بالقيادة، وهو الامام علي عليه السلام نصوصا وعملا، واستمر ذلك الانحراف، الى أن وصلت الحكومة بين أيدي طلقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومحاربيه طيلة أكثر من عشرين سنة، فكل الجرائم التي ارتكبت منذ ذلك التاريخ الى اليوم، يتحمّلها غاصبوها الأوائل الذين سيحملون أوزارا مع اوزارهم. قال تعالى: " لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ." (9)
منع الماء على الامام الحسين عليه السلام ومعسكره، وحيلولة آلاف المقاتلين من عساكر ابن زياد ومولاه يزيد بن معاوية، دونهم وشريعة نهر الفرات، ترتادها السوائم ولا يرتادونها، إمعانا في التضييق عليهم على قلة عددهم، بلا ادنى شفق ولا رحمة، وماء النهر يسمعون خرير مائه ، فلا يصلون اليه، رغم محاولاتهم، فلم يحرك فيهم صراخ الصغار عطشا، ولا حمل الامام الحسين عليه السلام رضيعه عبد الله، ورفعه بين يديه، ليراه معسكر الأمويين، لعله تتحرك فيهم مشاعر الانسانية، كأني به يقول لهم ان كان عندنا لكم ذنب فما ذنب هذا الرضيع وهؤلاء الأطفال والنسوة؟ لكن أنى لمن تحولت قلوبهم الى اشدّ قسوة من الحجارة، أن يعودوا الى رشد فقدوه تماما، وإيمان انتزع من قلوبهم؟
لما رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبته، عزم على لقاء القوم بمهجته، ونادى: "هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل من موّحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله بإغاثتنا؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا؟"
فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة، وقال لزينب: ناوليني ولدي الصغير حتى أودّعه، فأخذه، وأومأ إليه؛ ليقبله، فرماه حرملة بن الكاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه.  فقال لزينب: خذيه ثم تلقّى الدم بكفيه، فلمّا امتلأتا رمى بالدم نحو السماء، ثم قال هوّن عليّ ما نزل بي إنه بعين الله. قال الباقر عليه السلام : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.(10)
بجريمة منع الماء عن مخيّم الامام الحسين عليه السلام المقصودة في انهاك 78 رجلا وفتى واشراف أطفال الحسين وأهل بيته عليهم السلام على الموت عطشا، وتعمّد قتل عبد الله الرضيع وهو بين يدي أبيه عليه السلام تنفضح أخر نوايا أتباع السفيانية الخبيثة، فظهروا على صورهم الباطنية التي كانوا يخفونها، أبالسة وشياطين، قد خرجوا من الاسلام فلم يعد يربطهم به شيء مطلقا.
وليس رضيع الامام الحسين عليه السلام، بأهون على الله من فصيل ناقة صالح، فكما انتقم من عقرهم له ولأمّه، انتقم من جميع هؤلاء المجرمين، فقتلوا جميعا، بعدما تتبعهم جميعا، وهو العارف بهم، المختار بن عبيد الثقفي، فأتى على أخرهم، وكان ثأره من حرملة وحده رهيبا.
حدّث المنهال بن عمرو قال: دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام عند منصرفي من مكة. فقال لي: يا منهال، ما صنع حرملة بن كاهل الأسدي؟ فقلت: تركته حيا بالكوفة. قال: فرفع يديه جميعاً، ثم قال عليه السلام: اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حرّ الحديد، اللهم أذقه حرّ الحديد، اللهم أذقه حرّ النار.
قال المنهال: فقدمت الكوفة، وقد ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وكان صديقي، فكنت في منزلي أياما حتى انقطع الناس عني، وركبت إليه، فلقيته خارجا من داره، فقال: يا منهال، لم تأتنا في ولايتنا هذه، ولم تهنئنا بها، ولم تشركنا فيها؟ فأعلمته أني كنت بمكة، وأني قد جئتك الآن، وسايرته ونحن نتحدث حتى أتى الكناس، فوقف وقوفاً كأنه ينظر شيئاً، وقد كان أخبر بمكان حرملة بن كاهل، فوجَّه في طلبه، فلم يلبث أن جاء قوم يركضون، وقوم يشتدون، حتى قالوا: أيها الأمير البشارة، قد أُخذ حرملة بن كاهل.
فما لبثنا أن جيء به، فلما نظر إليه المختار، قال لحرملة: الحمد لله الذي مكّنني منك، ثم قال: الجزّار الجزّار. فأوتي بجزّار، فقال له: إقطع يديه. فقُطعتا، ثم قال له: إقطع رجليه. فقطعتا، ثم قال: النّار النّار. فأتي بنار وقصب، فألقي عليه فاشتعل فيه النار.فقلت:  سبحان الله !فقال لي المختار: يا منهال إن التسبيح لحَسَن، ففيمَ سبّحت؟
فقلت: أيها الأمير، دخلت في سفرتي هذه، وعند منصرفي من مكة، على علي بن الحسين عليهما السلام، فقال لي: يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل الأسدي، فقلت: تركته حيّا بالكوفة،  فرفع يديه جميعاً، فقال: اللهم أذقه حرّ الحديد، اللهم أذقه حرّ الحديد، اللهم أذقه حرّ الحديد، اللهم أذقه حرّ النار. فقال لي المختار: أسمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول هذا؟
فقلت: والله لقد سمعته يقول هذا .قال: فنزل عن دابته، وصلّى ركعتين).11)
حادثة منع الماء هذه، تؤكّد لنا الطبع الوحشيّ، الذي غلب على جيش السفيانية، ويذكّرنا بحادثة أخرى لمنع الماء، وقعت في معركة صفين، بين أصحاب علي عليه السلام، وأصحاب معاوية الطليق، جاء فيها، أنه لما ملك عسكر معاوية عليه على  عسكر الإمام علي عليه السلام الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات الفرات، وقالت رؤساء الشام له: اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا، سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء، فقالوا :لا والله، ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان. فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة، تقدم بأصحابه، وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع، سقطت منه الرؤوس والأيدي، وملكوا عليهم الماء، وصار أصحاب معاوية في الفلاة، لا ماء لهم. (12)
عندما استولى جيش الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقيادة أولاده الأبرار ومعهم مالك الاشتر استبدّ الذعر في جيش معاوية، وخافوا العطش بعدما فرطت شريعة الماء من أيديهم ،وصار في أيدي أصحاب علي، فقالوا: والله، لا نسقيه أهل الشام فأرسل علي إلى أصحابه: أن خذوا من الماء حاجتكم، وخلوا عنهم، فإن الله نصركم ببغيهم وظلمهم. (13)
ولكن الامام علي لم يكن ليعاملهم بجاهليتهم، كما قال الشاعر ابن الصيفي في آل البيت عليهم السلام:
ملكنا وكان العفو منا سجيّة*** فلما ملكتم سال بــــــــــالدّم أبطحُ

وحللتم قتل الأسارى وطالما*** غدونا عن الأسرى نعفّ ونصفحُ

وحسبكم هذا التفاوت بيننا*** وكــــــــــل إناء بالذي فيه يــنضحُ (14)
إنها القيم الاسلامية التي تمنع من أن يعامل المخطئ بنفس خطئه، وتتعامل بالعفو وتأمر بالمعروف والاعراض عن الجاهلين، قال تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ (15) والتي نبذها أعداء أئمة الهدى عليهم السلام وراء ظهورهم، بعدما تغرّبوا عن كتاب الله وآداب نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وخالفوا شريعته بكل سماحتها، فانطبق عليهم قوله تعالى: " لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ."(16)
المراجع
1 – بحار الأنوار المجلسي ج44ص329
2 – بحار الانوار المجلسي ج44ص329
3 – بحار الانوار المجلسي ج44ص329
4 – معالي السبطين محمد مهدي الحائري ج1ص229 / اسرار الشهادة الفاضل الدربندي ص246 / مقتل الحسين ومصرع اهل بيته أبو مخنف ص61
5 – الغارات محمد بن ابراهيم الثقفي ج2 ص 695/ راجع تاريخ الأمم والملوك الطبري ج 4 ص 291 /قاموس الرجال التستري ج5 ص413 
6 – البداية والنهاية ابن كثير الدمشقي ج 8 ص 335
7 – سورة النساء الآية100
8 – مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن ابي طالب ج7ص120ح2404/ سنن الترمذي  ابواب المناقب عن رسول الله ج6ص86ح3724
9 – سورة النّحل الآية 25
10 – اللهوف في قتلى الطفوف ابن طاووس ص69/ مقتل الرضيع ص 572 وما بعدها
11 – الصحيفة السجادية الامام علي بن الحسين (ع) ص141و142 / مناقب آل أبي طالب ابن شهر أشوب ج3ص276
12 – شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج1ص23 / ينابيع المودة القندوزي الحنفي ج1ص450 / بحار الأنوار المجلسي ج41ص145
13 – الكامل في التاريخ ج 2 ص 365/ تاريخ الطبري ج 4ص 572/ وقعة صفين ابن مزاحم ص 162 / الفتوح ابن اعثم الكوفي ج10 ص 11
14 –  شرح إحقاق الحق: السيد المرعشي، ج27/ص506
15 – سورة الاعراف الآية 199
16 – سورة الاعراف الآية 179




نظرة فيلسوف روسي يجب أن تُعْتَبر

الكسندر دوغين هذا الفيلسوف الروسي الذي عجزت أمهات الغرب أن يلدن مثله، أدلى برأيه فيما يحدث في عصرنا هذا من أحداث جسام، وأعطى الأحداث بعدها الواقعي، واحتمل ما ستفرزه من نتائج، وقد عنون المواجهة القائمة بين ايران وأمريكا، بأنها صراع وجود، بين حضارة ذات قيم تتشبث بإقامة أحكامها في المجتمعات، وتدعو اليها كمشروع بناء حضاري عقائدي، وبين زيف حضاري غربي يرفع شعارات التحرر من كل القيم الإنسانية، ويعتبر أن من ملك القوّة ملك العالم، وبمقدوره أن يفعل بها ما يشاء وكما يحلو له، ولو كان ذلك نقيضا لما كان يروجه، من قيم إنسانية مزيفة ظاهرا وباطنا، وقد لقبها (دوغين) بحضارة بَعْل، وهي ليست بحضارة واقعا.

لم تكن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو) سوى اجراء تعسفي، يسعى نحو الغاء القوانين الدولية بمجالسها وهيئاتها، فقد أدخل الرئيس الأمريكي (ترامب) العالم في مجال، يعتمد فقط على القوّة والبطش بكل من يعارضه، وبذلك قام بإسقاط جميع ما كان يدّعيه الغرب بطم طميمه من دفاع عن الحريات، ورفض للتسلط واستعباد الشعوب، الذي كان سياسة سائدة في القرنين الماضيين، كما لم تكن الحرب المعلنة على ايران من طرف أمريكا وإسرائيل، سوى فتح باب استكبار كبير، من شأنه أن يفرض نمطا جديدا من التحكم في العالم بالقوة الغاشمة.

هذه الحرب العدوانية تحت مبررات واهية، إن نجح فيها المعتديان الأمريكي والإسرائيلي، سوف تنتقل تجربتها إلى ساحات أخرى، تكون فيها دول غيرها مستهدفة من أمريكا، مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وكوبا، وهذه الدول موجودة على رأس القائمة فحضارة بعل الإبستيني المزعومة لن تستثني أحدا حتى أولئك الذين سيخضعون لهذه الحضارة الشيطانية سيكونون آخر ضحاياها بعد استكمال الهيمنة على بقية دول العالم.

وما سكوت وصمت غالبية دول العالم، وعدم مبادرتها إلى اتخاذ مواقف أكثر جدية من الحاصل الضئيل، الذي لا يساوي شيئا أمام قوّة مشروع الهيمنة الشيطاني على دول العالم، سوى مؤشر خطير يحاكي حالة الارتباك الحاصل في حسن التعاطي مع أي طارئ يقع من شأنه أن يذهب بالعالم إلى متاهات يصعب الخروج منها إلى المسيرة السليمة والصحيحة للبشرية في حفاظها على القيم الإنسانية الثابتة التي تراعي حقوق الجميع دون تمييز في لون أو عقيدة.

يرى دوغين أن إيران في معركتها ضد قوى الشر والشيطنة تقف في مواجهة عدوان القوّى الغاشمة ومشروعهم التدميري للقيم الإنسانية، وصمودها وانتصارها بعد الذي تلقّته من خسائر فادحة على مستوى قيادات عليا سياسية مدنية وعسكرية بدأ من القائد الخامنئي وأسرته إلى آخر شهيد إيراني دافع عن مشروع بلاده في ضمان حريات الشعوب واستخلاصها من سيطرة الدعاة للتحرر من كل القيم الإنسانية الخالية من نزغات الشيطان إيبستين، ونجاح مشروع بعل من شأنه أن يشجع دولا غربية أخرى إلى الانضمام إلى هذا المشروع التدميري الخطير للقيم الإنسانية التي وضعها الله للناس احكاما تُراعى وآدابا تُعتمد في معاملات الحياة.

وقد رأينا كيف أصبح الرئيس الأمريكي يهدد باللجوء إلى القوة المفرطة ضد ايران، بما يعنيه استعمال الأسلحة الغير تقليدية، والتلويح بضرب ايران بأمّ القنابل دون اعتبار لشيء من القوانين الدولية التي صنعوها بأنفسهم وشكلوا لها المجالس للنظر فيها، وهذا يعني أن استعمال أسلحة الدمار الشامل سيدخل العالم في مجال فناء لم يحصل من قبل، ( لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس) 

الحرب القائمة اليوم بين أمريكا وإيران، هي دون شك حرب عقائدية بين نظريتين: الأولى كان الامام الخميني أطلق على قيادتها بالشيطان الأكبر، وكان محقّا في ذلك، وتبين منذ مدّة صدق التسمية وبعد نظر قائدها، هذا القائد الراحل رضوان الله عليه، فما كُشِف من مشروع ايبستين، يجعلنا نعيد المصطلح الذي أطلقه قائد مشروع الثورة الإسلامية ناسبا إياها الى الشيطان نفسه، وتغير المسميات هنا يزيد من فضح النظرية الغربية القائمة على معاداة القيم الإسلامية بعد معاداتها من قبل القيم المسيحية.

صوت (الكسندر دوغين) وفكره مسموعين في روسيا خصوصا وهناك من يعطي لأفكاره قيمة سياسية باعتباره من كبار فلاسفة روسيا في سائر بلاد العالم، فعندما يتحدّث عن الصراع القائم بين ايران وأمريكا يدعو الروس ومن ورائهم كل من يعي خطر مشروع بعل الأمريكي إلى أخذ العبرة وتوخي الحذر من سياسة الأمريكي تجاه دول العالم، حتى لا تتكرر المأساة وينبّه في استنتاجاته أن اطلاق عناوين عمليات عسكرية صهيونية عقائدية: مثل ( درع يهوذا ) و( عملية الغضب الملحمي ) و( ختم الطوفان )، يجب تقابل ب ( سيف كاتيكون ) بالنسبة لحرب روسيا في أوكرانيا، وهي حرب الدول الغربية مجتمعة ضد روسيا، تسمية من شأنها أن تغيّر الكثير على الفور، بما قصده دوغين من حسم الحرب عقائديا بسرعة لفائدة روسيا، بينما نرى ايران قد أعلنت عناوينها العقائدية الإسلامية بعيدا عن المؤثرات المذهبية رغم انه من حقها الظهور بذلك، فكان الوعد الصادق واحد واثنين والثالث قادم لا محالة، إلى ان تحسم الحرب لصالح أهدافها، التي تمهّد لعالم لا غلبة فيه للاستكبار العالمي، عالم يجد فيه المستضعفون حقوقهم كاملة.

ويرى الفيلسوف الروسي أن هناك ترددا من جانب قيادته السياسية في اتخاذ قرار حاسم: لكنني أخشى أننا لن نجرؤ على فعل ذلك، وسنستمر في تكرار نفس السيناريو القديم. وحينها، أكرر، ستنطلق الصواريخ نحو موسكو في خضم المفاوضات مع (كوشنر) و(ويتكووف)، مُتبعةً السيناريو الإيراني حرفيًا. حضارة بعل بسيطة: تُكرر نفس السيناريوهات مرارًا وتكرارًا، وتنجح في كل مرة، لأن الجميع يعتقد أن هذا ينطبق فقط على القذافي، وحسين، وميلوسيفيتش، ومبارك، ونصر الله، والأسد، أو خامنئي، وليس عليهم. وهكذا، خطوةً بخطوة، تُحقق حضارة بعل أهدافها.

لذا، إما أن نتحرك بشكل عاجل، أو سيصبح الوضع بالغ الصعوبة. وإذا كنا لا نزال نتمسك بأي أوهام، فهذا يعني وجود زيف عميق متفشٍ داخل صفوفنا. ويتضح هذا جليًا في ضوء ما حدث في إيران، وهي كارثة ذات أبعاد عالمية. فقد قُتل أناسٌ عظماء، وقادة روحيون بارزون. وللمقارنة، تخيلوا لو قُتل بطريرك موسكو، والرئيس، ورئيس الأركان العامة، وجميع الوزراء الرئيسيين في آن واحد، إلى جانب أكثر من مئة تلميذة بريئة، قُتلن بالصواريخ. بعد مثل هذا الحدث، هل يُعقل أن نبقى غير مبالين ونتظاهر بأنه لا يعنينا، وأنه ليس من شأننا؟

وينتهي (الكسندر دوغين) إلى هذه القناعة: لذا، إذا تحملنا كل هذا والتزمنا الصمت، فسيفعلون بنا الشيء نفسه في المرة القادمة. ولهذا السبب أنا على يقين تام بأنه في الوضع الراهن، يجب علينا إعلان حالة الطوارئ فوراً، على الأقل على أعلى مستوى في الحكومة. فالوضع بات حرجًا للغاية بالنسبة لنا.

ما فات دوغين هنا ـ ولا اعتقد ان الأمر فاته فهو مطلع على تلك القيم اجمالا أو تفصيلا ـ أن ايران تتعامل مع أمريكا والعالم وفق القيم والمعايير الإسلامية، متقيّدة بتلك الأحكام، وليس كما يرى أن لروسيا مجالا أوسع من ذلك حيث لا قيد تقريبا يحول دونها ودون تحقيق انتصار على الغرب ولو بخرق القيم والقونين المتفق عليها دوليا كما تفعل أمريكا وحلفاؤها الآن.

المصدر بتصرّف:

إيران.. المواجهة الأخيرة ضد بعل

https://feneks.net/study/free/81417-2026-03-07-11-37-48

العرب أيّ مصير ينتظرهم؟

 يبدو أن الشعوب التي قبعت في أسفل ترتيب شعوب العالم التواقة لبناء مستقبلها، رضوا بمكانتهم التي أوجدوا أنفسهم فيها، بل وأثبتوا في كل أزمة تُحاط بهم، أنهم جديرون بوضعهم الذي أصبحوا عليه، لم يظلمهم أحد فيما آلت إليه أمورهم، فبما كسبت أيديهم، شعوب رضيت بالدون والخسّة، وقبلت سياسات حكام لا تخدم أوطانهم، تنفيذا لرغبات أمريكا، التي تسعى بقوة لتثبيت هيمنتها على المنطقة، وهي لا تزال ترى في دول الخليج بقرات حلوبات، تعطي تريليونات الدولارات بسخاء لأمريكا، وفي المقابل فإن تلك الدول لا تحصل من حكام الخليج، غير فتات لا قيمة له مقابل ما يغنمه قسرا الأمريكي الأصفر، ولا تتردد في تلبية أي طلب حتى لو كان مخالفا للدين معارضا للقوانين الدولية.

للتذكير  ـ وهو خطأ لا يجب أن ينساه المصريون ـ وعوض ان يركّز جمال عبد الناصر  جهوده على التهيؤ لمواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين من وجود صهيوني غاصب معتد، قام بارسال حوالي 70 الفا من قواته، لخوض حرب ضروس في اليمن اسقاطا لحكم الامامة الزيدية، وانتصارا للنفس القومي العربي، في حكم جمهوري قاده عبد الله السلال، تلك الحرب العبثية كلّفت الشعب المصري آلاف القتلى والجرحى، بدأ من فصيل كامل من المظليين الذين أسقطت مروحيتهم في 22/10/ 1962، وحسب التقديرات فإن عدد ضحايا تلك الحرب، كانوا بحدود 15 الف مصري من ضمن 70 ألف شاركوا في تدخلهم السافر على أرض اليمن.

في المرة الثانية، جاءت مشاركة مصر في عاصفة الحزم في مارس 2015 على عهد السيسي، واقتصرت على قوات بحرية وجوية، ووفق ما جاء في الوسائط الإعلامية المحلية وقتها، تمثلت المساهمة الأساسية في حصار بحري عبر 4 بوارج مصرية، علاوة على غارات جوية، أكدها بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية، تضمّن وعداً من الحكومة المصرية بإمكانية المساهمة بـقوة برية مع التحالف العربي الذي قادته السعودية، لكن يبدو أن خلافات جدّت بين الطرفين المصري والسعودي، منعت من ارسال قوات برية إلى اليمن، ظهرت من تصريحات وزير الخارجية المصري نبيل فهمي الذي قال: إن مصر رفضت الاستجابة لطلب سعودي بإرسال قوات برية إلى اليمن، ومن يتصور إمكانية أن ترسل مصر قوات برية إلى اليمن، لا يعي التاريخ الإقليمي أو الظرف الحاضر. وأقول تعقيبا: إن الثمن المعروض من الجانب السعودي حينها كان زهيدا، ولم يملأ جيوب باعة دماء وأرواح الشعب المصري، وهذه حقيقة معاملات أغلب حكام العرب العملاء، عندما يسقطون في هاوية خدمة مصالح أعدائهم الغربيين والصهاينة، عالمين يقينا أنّ مصائرهم إلى زوال محتوم، ذلك أنّ الشعوب الأبيّة الحرّة لا تقبل أن تتواطأ مع أعدائها بالتورّط في عدوان على اشقائها في اليمن.

ويبدو أن المساعدات الامريكية الضئيلة، التي تقدمها أمريكا والسعودية والامارات والكويت للسيسي لم تعد تكفي، في ظل تفاقم نسب البطالة، وتردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب المصري، وهو الضحية أولا وآخرا في كل أزمة أو معضلة تقع فيها مصر، وبسوء تصرف وسياسة حكام غلّبوا مصالحهم الشخصية على المصلحة الوطنية، لم يقيموا وزنا ولا اعتبارا لمصلحة الشعب المصري في الداخل أو في الخارج، نصبوا همّهم فيما يقبضونه على حساب البلاد والعباد.

وفيما كان الرئيس الأمريكي ترامب يرى في النظام السعودي بقرة حلوبا متى ما جف ضرعها فإنه سيتركها لمصيرها، وقد حلب منها ما يحلّ المشاكل المالية والاقتصادية لجميع الدول العربية مجتمعة، ظهر الرئيس المصري السيسي في ثوب الرجل الشهم الوفيّ للدفاع عن آل سعود، قائلا: مصر مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها، نقف بقوة لحماية أراضي الأشقاء في الخليج والدفاع عنها ..علينا أن نعترف بالجميل الذي قام به الأشقاء في الخليج، السعودية والإمارات والكويت، وتقديم الشكر لهم على مساندتهم لمصر بعد عام 2013.

عادة ما يتجاهل العملاء تاريخ بلدانهم، فما يستحضرونه فقط، تنفيذ مصلحة من يدفع أكثر، ووضع النظام السعودي حرج جدا، بعد أن قرر اليمنيون مقابلة الحصار بالحصار، والضربة بالضربة، وخنّاقة مضيق هرمز ثنّوها بمضيق باب المندب، فلا بترول يخرج شرقا ولا غربا، وقد شلّت القوات اليمنية الشرعية هجمات دقيقة، أوقفت تدفق النفط من ميناء ينبع، الوحيد الذي يعمل بدل الموانئ السعودية على الخليج الفارسي.

ويبدو أن النظام السوداني مشغول بصراعاته الداخلية فالأخوة الأعداء اقتتلوا فيما بينهم، ولا يزالون على تلك الحال من الحرب، بين قوات الجيش السوداني بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حمديتي، والاثنان مورطان في الحرب على اليمن الأول قام بارسال الاف السودانيين الى جانب النظام السعودي والثاني بقواته إلى جانب الامارات العربية، وقد ترك السودانيون وراءهم آلافا من القتلى على ساحات عدوان التحالف العربي، وماذا كانت النتيجة الحاصلة حينها لا شيء؟ ولا تزال الحكومة اليمنية الشرعية بصنعاء، تمسك بزمام أغلب المحافظات الشمالية، يمارس شعبها واجباته مرفوع الرأس بشعاراته الثورية، التي لم يجرؤ نظام عربي على رفع شعار واحد منها، خوفا ورعبا من أمريكا واسرائيل.

ويبدو أن حكام العرب قد عزموا على المضي إلى آخر مدى، في تنفيذ رغبات مصالح أعداء شعوبهم، واضعين نصب أعينهم ما سيكسبونه من صفقات عمالتهم على حساب شعوب خاضعة خانعة، رضيت بالذلّ والتفريط في حقوقها، وليتها تستفيق قبل أن تصبح أضحوكة الشعوب الافريقية وغيرها الناهضة من سباتها، والتي استوعبت الدرس في الوطنية ومصلحة البلاد، هذه الحرب التي بدأها النظام السعودي سيكتوي بها السيسي ونظامه وكل من سيتورط فيها، ولعل نهايتها ستكون بزوال أنظمة عميلة ستتخلص منها شعوبها منها خصوصا تلك التي باعت فلسطين وانخرطت في تطبيع ترفضه شعوب، نشأت وتربت على أمل تحرير فلسطين.

 

حلف مكة.. تحالف أحزاب جديد

 عندما كانت غزة تباد بالقصف بمختلف الطائرات الشبحية الأمريكية، بمختلف الصواريخ الفتاكة التي استهدفت كل ما هو جامد ومتحرك خدميا كالمشافي والبني التحتية، أو تعليميا كالمدارس والمعاهد، فوق الحصار المطبق عليها منذ عشرين سنة، غارات متواصلة لم تميز بين حجر وبشر، إلى درجة عجز طواقم الانقاض عن انتشال من وقع تحت المباني المهدمة والمسواة بالأرض، جريحا محتاجا إلى الإسعاف وشهيدا مدنيا قضى نحبه في بسبب القصف، وبقي هناك مدفونا حتى صارت جثته عظاما، ولا يزال الوضع هناك يزداد سوءا وبحاجة إلى استفاقة دول تدّعي الإسلام وليست منه في شيء، خرست الأصوات ولاذ أصحابها من ذوي السلطة بالصمت، خوفا من نقمة أمريكية غربية مسلطة على رؤوسهم، فمن يجرؤ من حكامنا اليوم على ليّ عصا تبعية، لازمنا كالقدر منذ استقلال بلداننا المزيّف.

ومنذ الحصار والعدوان على غزة، وأهلها أصحاب الأرض والحقوق هدفهم من تحركهم السابع من أكتوبر لفت انظار العالم أنهم في خطر، وعلى جميع دول العالم وفي مقدمتها الدول العربية أن يتحملوا مسؤولياتهم الدينية والتاريخية والإنسانية والقانونية الدولية، فيرفعوا المظلمة عن الشعب الفلسطيني الذي سُدّت السّبل في وجه أهله، كلما تقدّموا في الزمن بعُد عنهم أمل الخلاص من عدوّ بغيض، لم نسمع بدولة عربية أو اسلامية دعت إلى نصرة فعلية لفلسطين، ومساعدة المقاومين فيها بالأسلحة والأموال والرجال، ووضع الشعوب المعنية عند مسؤولياتها في التبني الفعلي ـ وليس الشكلي ـ للقضية العادلة، ونشر ثقافتها في المدارس والمعاهد وفرض حضورها العملي في المؤتمرات والمهرجانات الثقافية في كل البلاد الإسلامية.

بإمكان هذه الدول أن تتحدى أمريكا والغرب بمساعدة حقيقية للفلسطينيين المقاومين، يرفعون من خلالها الضيم عن إخوانهم في الدين، بتشكيل تحالف ضد الكيان الصهيوني، يجبره على الرضوخ بالقوة، والاستجابة لمطالب الشعب الفلسطيني، بل سمعنا أن دولا عربية واسلامية كتركيا زادت من معاملاتها واتفاقاتها الاقتصادية مع الكيان الغاصب، كأنما تريد مكافأة هذا الكيان على جرائمه بحق الفلسطينيين، ودول أخرى عديمة الحياء والدين، اختار حكامها أن ينخرطوا في مشروع تهويد المنطقة بأسرها فليست الابراهيمية الجديدة سوى فكرة صهيونية بغلاف أمريكي يسعى إلى التهام مقدّرات دول المنطقة، ومحق ما تبقى من ثقافة إسلامية، لا تزال عامّة الشعوب متمسكة بها.

وعندما اعتدى الكيان الغاصب على جنوب لبنان، وشن غاراته على اليمن، وهاجمت أمريكا إيران متحالفة معه، أعلن الأمريكيون والصهاينة بكل بحاجة، أنهما استهدفا في عدوانيهما اسقاط النظام الإسلامي هناك، لم نسمع من دولنا العربية تنديدا بتلك الإعمال الاجرامية، كأنّها تريد أن تقول للأمريكي والصهيوني بياناتنا التي نخرجها أحيانا ـ بعد أخذ الإذن والسماح من دول الغرب ـ هي ذر رماد على عيون شعوبنا، مازال طريقنا طويلا في نشر ثقافة المسخ الغربية في عقولهم، وحتى يستكمل المشروع سوف ترون شعوبا تصهينت، تستجدي الصهاينة في أن ينتسبوا إليهم ويكونوا في خدمة إسرائيل الكبرى، مهرجاناتنا الصيفية أدوات مسخ فاضحة.

أمّا اليمن وما لاقاه من جيرانه فحدّث ولا حرج، والعجب العُجاب هنا كيف يصدّق حكامنا أقوال دول الخليج، ولا يعيرون اهتماما بما يقوله اليمنيون أصحاب الثورة والحق في أن يحكموا بلادهم وفق ما أجمع عليه أغلب أهله، من هذه الناحية ينظر إلى الشرعية اليمنية في صنعاء وليس في عدن التي استبيحت وأصبحت مهيعا لكل إرهابي متطرف وغير وطني، وفي اقصى الحالات ألي من الأجدى ترك اليمنيين يحلون مشاكلهم بأنفسهم، فذلك أجدى من التدخل بينهم وتحريض بعضهم على البعض الآخر واستقدام قوات من الخارج.

التحالف العربي الأول الذي بدأ في 25 / 3 /  2015تالف من ( السعودية/ الإمارات / الكويت/ قطر/ البحرين/ الأردن/ السودان/ المغرب/ مصر )، وعاصفة حزمه الذي بدأت عملياته العدوانية، انتهى بالفشل والخسران والهزائم، ومرورا بكل الجهود التي بذلتها السعودية من أجل اسقاط نظام اليمن الثوري في صنعاء فلم تفلح في شيء ولجأت منذ سنوات إلى فرض حصار جوي على مطار صنعاء وعلى الموانئ اليمنية تسبب في اضرار بالغة للشعب اليمني المظلوم، تمثلت في نقص فادح في الأغذية والأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، وهي اليوم تتجهز لتفعيل حلف دفاع مكة مع باكستان وتركيا، والذي أجزم أن إسرائيل وأمريكا وبريطانيا ستكون فيه، بتقديم المعلومات العسكرية اللازمة، والمشاركة مع السعودية وتركيا وباكستان في غرفة عمليات توجيه القوات العسكرية على الأرض.

فهل من العقل والمنطق أن تقوم دولتان مسلمتان كبيرتان بالمشاركة في العدوان على اليمن، وهم يدركون تماما أن من يشاركونها في عدوانها هي صاحبة المشكل فيه؟ وليست مخابرات تركيا وباكستان بالعمياء الصمّاء، الفاقدة لأدلة تورط السعودية في الشأن اليمني، حتى يكون قادة البلدين في ضلال مبين صمّ بكم لا يعقلون، إنّما هي الأموال التي أغرى بها آل سعود تركيا وباكستان لينضمّوا إلى حلف مكّة وكان جدير به ان يُسمّى حلف العدوان على اليمن، وهو شبيه بتحالف الأحزاب بين اليهود وقريش، والذي أبطله الله بقوته.

يعتقد الأمريكيون والصهاينة ـ وهم وراء كل قبح وسوء يطرأ على بلداننا، أن تشكيل تحالفات دولية، كالتي شجعوا عليها في المرّات السابقة وهذه المرة، أنّها ستخفف عنهم ثقل وعبء اقحام قواتهم في أتون معارك ضارية، سيقوم بها حلفاؤهم وأصحاب مشاريعهم في المنطقة، ولن تكون خسائرهم البشرية فيها موجودة، وهو من شأنه أن يخفي على الشعب الأمريكي والعالم، حقيقة مشاركاتهم العملية في المعارك الدائرة على الميدان اليمني.

يؤمن اليمنيون أنهم على الحق، وأن كل من حاربهم وحاصرهم على باطل، وأنّ مشروعهم في بلادهم قرآني إسلامي، لا تريده أمريكا وإسرائيل ويسعيان إلى اسقاطه، فشعاراته تخيفهم وتدفعهم إلى العمل ضده بأي تحالف يكون، وفي أملهم أنهم سينجحون، لكن هيهات أن يفلحوا في أذى أولياء الله، وقد قضى سبحانه أنه سيدافع عنهم وسيهزم أعداءهم، أعلام عزة لن تسقط إيران ولبنان واليمن والعراق، هيهات أن يسلم أحد من هؤلاء سلاحه، فتجربتهم أثبتت أنه من ملك سلاحه، وانتظمت قواته في مواجهة الأعداء، فقد حقق الأمن وفرض ذلك بالقوة.

من الغبن والسوء بما كان أن تبتلي شعوبنا بحكام عملاء، قد وضعوا مصالح الأعداء في المقام الأوّل من أجل تحقيقها، وفي هذه المرّة بلغت الخطورة أقصاها، بكشف مخطط ضرب المسجد الحرام أو أطرافه من طرف السعوديين، في عملية جبانة وقحة واتهام اليمنيين بارتكابها، لتحريض بقية المسلمين عليهم، هذا ما تفتقت به قريحة شياطين الانس، هل سينجحون في مؤامرتهم بالعبث بمقدساتنا وجعلها مصيدة لأغبياء حكامنا وبلهاء شعوبنا، حرمة المقدسات يأخذها بعين الاعتبار أهل التقوى فيضعونها موضع القداسة الحقيقية، ليس أتباع إيبستين وحزبهم الشيطاني، فلتحذر دولنا وشعوبنا من الوقوع في المصيدة السعودية، وقد أعذر من قد أنذر.

 

    

عندما يستنهض رضا الجوادي جواده العاثر

 

عندما يستنهض رضا الجوادي جواده العاثر

في تدوينة أخيرة لرضا الجوادي على صفحته بالفايسبوك، عاد فيها للحديث بالسوء عن إيران  قال فيها: (قد أعذر شابا تعصب لإيران لأنه لم يعش احتلال العراق، ودخول قيادات الشيعة على ظهور الدبابات الأمريكية المصيبة الاكبر فيما رأى وعمي. الأحد 11/10/ 2026)(1)

وهي تدوينة اثبتت أن رجل مصاب بداء ركبه من حقده الأعمى على إيران، وليته يستفيق من حال السوء التي لا يزال يعاني منها، فماذا كان يقصد من فترة احتلال العراق؟ وما دخل ايران في ذلك، وهي الوحيدة اتي رفضت أن يطأ قدم التحالف الغربي العربي أرضها، ولا أن يتخذ من سمائها مجالا لمهاجمة العراق، وكان بإمكانها أن تفعل ذلك، وتشارك في اسقاط معتد عليها في حرب تواصلت ثماني سنوات، كان هدفها اسقاط النظام الإسلامي وتفكيك ايران، ولو فلعت ايران لسقطت بغداد في يومين فقط من القاطع الأوسط حيث تبعد بغداد من الحدود الإيرانية حوالي 120 كلم،  بينما فتح سائر العرب بلادهم وحدودهم للقوات الغربية الغازية، وشاركوا بقواتهم في انهاك وهزيمة صدّام وسقوطه، فمن باب أولى اتهام هؤلاء الأعراب بالمشاركة في احتلال العراق ومن بينهم السعودية، ومن هؤلاء القيادات العراقية الذين دخلوا إلى العراق على ظهور دبابات مع أن ذلك لم يقع أصلا لأن الدبابات ليس في ظهرها ما ينفع للركوب، وهذا الذي اتهم بذلك تشويها هو عبد المجيد الخوئي الذي كان يعيش في بريطانيا وهو ليس من القيادات حتى يحسب بحساب اتباع سياسات الغرب الاستعماري.

كما هي عادة قافلة علماء المذهبية المقيتة التي لا تتوانى في تحشيد أصحابها في أمرين التشيع وايران، في عمليات متنوعة من نشر الكراهية والتحريض المبطّن في شكل نصائح يقدّمها هذا الشيخ أو ذاك الدكتور، تستهدف عادة منهج التشيع لأئمة أهل البيت عليهم السلام عقيدة، وتعمل على الإساءة إلى إيران الإسلام وتشويه سمعتها وتقديمها للعالم الإسلامي على أنّها متّهمة في سياساتها، التي يرونها بعين عمشاء عمياء عدوّة لأهل السنة والجماعة، متجاهلين حقائق عنها بازغة كالشمس في رابعة النهار لا يغطيها سحاب أو يضعّف قوتها ضباب.

في تدوينة سابقة نشرها على صفحته الرسمية بالفايسبوك بتاريخ 23 / 4 /  2020قال رضا الجوادي: حذر من هجوم مكثف غير مسبوق لصفحات شيعية ممولة على الفايسبوك ما يعني أن مرتزقة ايران في تونس مرّوا الى خطة جديدة رمضانية لإفساد تديننا واستكمال تخريب ما لم لم تقدر عليه فرنسا وأذنابها الفرنكوماسون .. وتابع الجوادي: مع العلم أن الشيعة المرتزقة لإيران سيطروا على العراق بدعم أمريكي، وسيطروا على سوريا بدعم روسي، ويريدون السيطرة على تونس بدعم فرنسي.(2)

خيال خصب لكنه لم ينبت شيئا نافعا، ولو أنه استغله في ما يفيد نفسه لكان خيرا له، فلا الشيعة سيطروا على العراق كما سفّه الجوادي نفسه، ولا يزالون الى اليوم حقوقهم منقوصة ومستغلة، لا تريد أمريكا أن يصلوا إليها، بحكم أغلبيتهم الشعبية، ولا ايران سيطرت على سوريا، بل كانت تساعد على قطع دابر الإرهاب التكفيري منها ومن العراق، ولا بضعة مئات من الشيعة التونسيين اختاروا بعقولهم بعد بحوث صادقة، مذهب التشيع طريقا إلى الله في عباداتهم، عوض الانتماء الوراثي العقيم الذي وجدوا أنفسهم عليه فتركوه لأهله، فأين فرنسا من هذا؟ وهلّا بينت كيف يمكن لهؤلاء البضعة من المواطنين افساد دينك؟ وما قدرتهم على ذلك لولا أنك مدّع سفيه.

وقد شنّ رضا الجوادي من قبل هجوما على التشيع قبل وبعد عزله، من خطابة الجمعة في جامع اللخمي بصفاقس، حذّر فيه من المدّ الشيعين فعلى هامش ندوة صحفية للمجلس الوطني لأئمة وإطارات المساجد التي انعقدت بتاريخ 11/ 11/ 2015 إلى أن صحيفتي الصحوة والوحدة من أبرز الوسائل الإعلامية التي تروج للمذهب الشيعي.(3)

 

تصريحات أطلقها رضا الجوادي ضد ايران والمذهب الشيعي متباعدة في تواريخها، بين 2015 و2026 لكنها لم تكن منفردة من باقي نشاطه الدعوي وتصريحاته الأخرى، فمن عمِي عن حقيقة إيران والتشيع ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ليس بمقدوره أن يبصر حقائق هاذين الأمرين، ومن تجاوزته الأحداث لسوء فهمه، وقصر رؤيته وانحباس عقله، عن عقدة التعصّب المريض الأعمى، فبالتأكيد أنه لن يعير اهتماما بما سيُحتَجّ به عليه من حق، ليتواصل عِثار جواده في هاذين المسألتين.

بأسلوب تهويلي لم يجد رضا الجوادي غيره لإخافة التونسيين من التشيع ومن ايران، دخل مجال الافتراء عليهما بلسان يقطر حقدا ويسيل لعابه كراهة، حملها في قلبه منذ أن أساء فهما لهما، وليته انفتح على ما قاله كبار قادة جماعته بشأن إيران، ويبدو أن أذناه بقيتا بمنأى عن معلومات عادة ما تنشرها دوريات سياسية عالمية، فيها ذكر إيران بخير من أطراف غير شيعية لكنّها انتهجت أسلوب مقاومة العدو الصهيوني، فحركة حماس والجهاد سنّيتان من فلسطين، جمعهما بإيران مبدأ واحد وهو تحرير فلسطين، فقد كان المشروع الأول الذي وضعه قائد الثورة الإسلامية ومؤسس نظامها الخميني، هو زوال إسرائيل من فلسطين وتحرير أرضها من دنس الصهاينة، وقد بنى على أساسه النظام الإسلامي في ايران سياساته الخارجية، وركّز ثقافة شعبه على مبدأ التصدّي لتهويد فلسطين والمنطقة ككل، ولم تضع ايران في حسابات قادتها أي مجال مذهبي من شأنه أن يكدّر صفو علاقاتها مع حركات المقاومة السنّية فتعاملت معه على قدم المساواة، كما تعاملت مع حزب الله.

 

تصريحات قادة المقاومة الفلسطينية عسكريين أم سياسيين، بدت واضحة لكل من تابع الصراع، وما كان خافيا من تلك العلاقات، سيظهر يوما ما بكامل تفاصيله، ايران التي قامت بعد ثورتها الإسلامية الفريدة في زخمها وأهدافها وفكرها بطرد أعضاء السفارة الإسرائيلية من طهران وتسليم مقرها للفلسطينيين بتاريخ 18/2/ 1979 أسبوعا واحدا بعد انتصار الثورة وسقوط الشاه بهلوي العميل لأمريكا وإسرائيل، وقد افتتحه ياسر عرفات بعد ذلك بيوم واحد أين وقع احتفال كبير بالحدث ورفع العلم الفلسطيني على المبنى وتعويض لافتة سفارة إسرائيل بسفارة دولة فلسطين، فهل أقدم احد من زعماء العرب المطبعين على القيام بذلك أو حتى التفكير فيه، وهل يجرؤ أحد منهم عل ذلك وهم محسوبين من أهل السنّة؟

القضية التي تجاهلها رضا الجوادي ليست متعلقة بإيران ولا بالتشيع، انها قضية تحرر وكرامة إنسانية، فهمها أصحاب العقول التي ترى الأشياء من زاوية حقوق الشعوب، وليس من زاوية معتقداتها الدينية، فليس عيبا في ان تكون متدينا بمذهب ورثته او اقتنعت به فذلك شأنك، لكن العيب في أن ينخرط انسان أو مجموعة من الناس في مسار مذلّة يسيء له في حياته ويحوّله من انسان حرّ إلى عبد يستغله عدوّه ابشع استغلال كأن يستخدمه في تنفيذ مخططاته الفتنوية، كما هي حال التنظيمات الإرهابية ذات الطابع المعادي للمسلمين الشيعة ( القاعدة/ داعش/ النصرة/ أحرار الشام)

إن ما بذلت إيران من جهود جبارة من أجل تقوية حركات المقاومة الإسلامية، لا يمكن حصره بمجرد أرقام، فما قدّمته من إمكانات مادية ولوجستية وتدريبات وسخرته من هيئات ومجاميع، بقي مطويّا على معلوماته التي ركضت وراءها أمريكا وإسرائيل طويلا، دون أن تفكك شيفرة متى وأين وكيف، ليبقى مشروع تحرير فلسطين قائما متقدّما بقوّة أكبر، ومخطئ من يرى أن إيران ستتخلى عن هذه المقاومة، وهي مستهدفة تماما كما وقع استهداف فلسطين وغزة وجنوب لبنان واليمن والعراق، وهذا دليل آخر لن يعيه رضا الجوادي، حتى لو تحررت فلسطين بفضل جهود ايران، فمن عمي عن الحق داهمه الباطل.   

وتأتي تصريحات قادة الفصائل الفلسطينية لتفنّد أي اتهام، عادة ما يعمل على الصاقه مرضى النفوس بإيران، من كونها صاحبة مشروع هيمنة على المنطقة، فهذا (يحيى السنوار) قال عام 2017 صراحة إن إيران هي «الداعم الأكبر للسلاح والمال والتدريب لكتائب القسام»، ووصف الدعم العسكري الإيراني لحماس والقسام، بأنه دعم «استراتيجي». هذا ليس إرسال مساعدات إنسانية ولا مجاملة دبلوماسية؛ نحن نتحدث عن السلاح والمال والتدريب، الذي بُنيت عليه القدرة العسكرية للقسام. لكن الأوضح من كل ذلك هو كلام السنوار نفسه في 14 أبريل/نيسان 2023. قال إن الفضل في بناء المقاومة يعود إلى «دعم الجمهورية الإسلامية في إيران.(4)  

في اجتماع لقيادتي حماس والجهاد انعقد بطهران بتاريخ: 29/ 3/  2024عبّرت القيادتان عن تقديرهما لإيران ومواقفها الثابتة وما تقدّمه من دعم استراتيجي إلى المقاومة والشعب الفلسطينيين، داعيتين الأمة إلى توسيع رقعة التحدي للاحتلال، عبر كل الوسائل المشروعة.(5)

أخيرا أقول لهذا الرجل لقد دخلت الى حلبة سباق لست بالغه بجوادك حتى بشق الأنفس، فلنّاس عقول يميّزون بها، وأعين ثاقبة يبصرون بها، وآذان واعية يسمعون بها، ولو بقيت طول دهرك يا جوادي تغرّد ضد ايران والتشيع، فليس بمقدورك تغيير حقيقة ايران من كونها صاحبة حق، لم يرضى عنها اليهود ولا النصارى كما رضي عن أهلك واتباع منهجك، وصانعة عز ومجد لا يناله الأفاكون مثلك، والصراع القائم اليوم سيفضح أمثالك ويجنبك الشعب التونسي من بلعطتك، حاول أن تنزع رداء التعصب ضد ايران والشيعة، فمن حملوه قبلك اهترأ وذهبوا معه بتبعاتهم.

المراجع

1 https://www.facebook.com/ridha.jaouadi.9/posts/28705139435810215

2 ـ https://www.babnet.net/rttdetail-202051.asp

3 ـ https://www.babnet.net/rttdetail-115037.asp

4 ـ https://aawsat.com/home/article/1011051/

5 ـ https://www.almayadeen.net/news/politics/