samedi 28 septembre 2019

بيان هام جدا صادر عن القوات المسلحة اليمنية ضد الجيش السعودي اليوم 28/9/2019


أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير
نص بيانْ رقم (1) بشأنِ عمليةِ "نصر من الله" للقوات المسلحة اليمنية ضد الجيش السعودي في نجران
 أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع، اليوم السبت، عن عملية عسكرية كبرى ضد جيش العدو السعودي أطلق عليها "نصر من الله" سقطُ فيها ثلاثةْ ألويةْ عسكريةْ وآلاف الأسرى بينهم مئات السعوديين من الجنود والضباط.. إليكم نص البيان:
بعونٍ من الله تعالى..... تُعلنُ القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ لكافةِ أبناءِ الشعبِ اليمنيِّ العظيمِ والعزيزِ إطلاقَ عمليةِ نصرٌ من اللهِ، العسكريةِ الواسعةِ والنوعيةِ في مِحورِ نجران، والتي تُعَدُ أكبرَ عمليةِ إستدراجٍ لقواتِ العدوِ منذ بَدءِ العُدوانِ على بلدِنا استمرتْ لعدةِ أشهرَ وتكبدَ فيها العدوُ حتى اللحظةِ خسائرَ كبيرةً جداً في العتادِ والأرواحِ
أولاً : سقوطُ ثلاثةْ ألويةْ عسكريةْ من قواتِ العدوِّ بكاملِ عتادِها العسكري ومعظمِ أفرادِها وقادتِها.
ثانياً : إغتنامُ كمياتٍ كبيرةٍ من الأسلحةِ تضمُ مئاتِ الآلياتِ والمدرعات.
ثالثاً : وقوعُ آلافٍ من قواتِ العدوِّ في الأسرِ مُعظمُهم من الخونة والمخدوعين ومصرَعُ وإصابةُ المئات.
رابعاً : من بينِ الأسرى أعدادٌ كبيرةٌ من قادةِ وضباطِ وجنودِ الجيشِ السعودي. 
خامساً : بعدَ مرورِ 72 ساعةً فقط من بَدءِ العمليةِ قامت قواتُنا بإطباقِ الحصارِ على العدوِّ بشكلٍ كامل.. المكونة من ثلاثةَ ألويةٍ عسكرية من الخونةِ والمخدوعينَ مع فصيلٍ من الجيشِ السعوديِّ وتم تدميرُها وكسرُها وأسرُها بالكاملِ وتم تحريرُ مئاتِ الكيلومتراتِ طولا وعرضا ضمنَ مسرحِ العمليات.
وبموجِبِ توجيهاتِ القيادةِ فقد تم التعاملُ مع كافةِ الأسرى وفقِ مبادِئِ الدينِ والعاداتِ والتقاليدِ اليمنيةِ الأصيلةِ والأخلاقِ الإنسانيةِ، وعملت قواتُنا بعد استسلام الآلافِ من قواتِ العدوِ على تأمينِهم من الغاراتِ الانتقامية لطيرانِ العدوان الحربيِّ الذي استهدفَ الأسرى بعشراتِ الغارات.
وتُطَمئنُ القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ كلّ أهالي الأسرى من مختلفِ الجنسياتِ بأنها ستتخذُ المزيدَ من الإجراءاتِ اللازمةِ لحمايتِهم من استهداف الطيرانِ الحربيِّ المعادي وستتعاملُ معَهم بطريقةٍ إنسانيةٍ وصولاً إلى صفقةِ تبادُلٍ شاملةٍ مع العدوِّ وأدواتهِ من الخونة والمخدوعين.
شاركت في مسرحِ العملياتِ عدةُ وَحَداتِ متخصصةٍ من قواتِنا المسلحةِ بمهامَّ مختلفةٍ وضمنَ نطاقاتٍ جغرافيةٍ أوسعَ في إطارِ دعمِ وإسنادِ العمليةِ العسكريةِ وعلى رأسِ تلك الوَحَداتِ القوةُ الصاروخيةُ وكذلك سلاحُ الجوِ المسيرِ إضافةً إلى قواتِ الدفاعِ الجوي والقواتُ البريةُ بوَحَداتِها المختلفة.
هذا وتُواصِلُ القواتُ المسلحةُ تنفيذَ مراحلِ العمليةِ المختلفةِ وفقَ الخطةِ المرسومةِ وسنُعلنُ في مؤتمراتٍ لاحقةٍ نتائجَ وتفاصيلَ العمليةِ بمراحلِها المختلفةِ خلال الأيامِ القادمة.
المجدُ لليمنِ المقاومِ الصامدِ في وجهِ العُدوانِ والغزوِ والاحتلال.. الرحمةُ للشهداءِ .. الشفاءُ للجرحى ... الحريةُ للأسرى ... والكرامةُ والعزةُ لشعبِنا العزيزِ ويمنِنا العظيمِ.
ييان صادرٌ عن القواتِ المسلحةِ اليمنية
28 سبتمبر // المسيرة نت

vendredi 6 septembre 2019

متى تنتهي الإساءة للشعائر الحسينية؟




بقلم: محمد الرصافي المقداد
الى من يتظاهرون بحب الحسين عليه السلام، فيسيلون دماءهم تطبيرا، هذه ساحات قتال اعداء الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم مفتوحة، فليبادروا الى الالتحاق بركب المجاهدين على الجبهات، فالدماء التي يرهقونها هدرا تظاهرا، من الأجدر أن ترهق هناك، لأن الامام الحسين عليه السلام، لم يقدّم نفسه إلا فداء لله ودينه، فمن كان حسينيا بحقّ، فليوطّن نفسه في صف أولئك الذين لبّوا نداءه، وليس في صف المطبّرين العابثين المسيئين.
لم يوجد شخص بعد شهادة الامام الحسين عليه السلام، أكثر احساسا وشعورا وتفاعلا، بالأحزان القلبية العميقة، والتعبير المشبع بالأشجان، من الشاهد الوحيد الذي أبقاه الله، ليستمر خط ولايته على الأرض، ويكون دليلا على ما يجب أن يرى منه، بمناسبة ذلك اليوم خصوصا، وبقية أيام حياته، وهو المثال الصادق للتفاعل إيجابا مع مسيرة أبيه الحسين عليه السلام، والناقل لثقافتها وأهدافها الإسلامية، في الإصلاح باليد واللسان.
فلم نعرف من خلال سيرته أنه حاد عن المعقول، في اظهار الحزن والبكاء، كلما حلّ بذاكرته مشهد من مشاهد اليوم العاشر من المحرم سنة 61 هجرية، وأنى لذاكرته أن تنسى المأساة التي حلت به وبأبيه وأهله، فهل تراه لا يتذكر مقتل مسلم بن عقيل رضوان الله عليه، بالطريقة البشعة التي جرت عليه في الكوفة، أم تراه لا يتذكر مقتل ابناء عمومته القاسم وعون ويحي، واخوته علي الأكبر عبد الله الرضيع عليهم السلام، أم تراه ينسى مقتل أعمّامه عبد الله وجعفر وعثمان، أن تراه لا يتذكر عمه العباس عليه السلام، وهو يقاوم كتائب العدوّ، من أجل قربتي ماء أراد جلبها للأطفال الذين أضناهم العطش، أم تراه لا يتذكر مقتل أبيه الامام الحسين عليه السلام، وكيف يتسنّى له أن ينسى وهو الامام المعصوم، المرهف الحس على غيره، المُشاطر لهم آلامهم، فكيف به بأهل بيته؟ كيف به روحي فداه، وقد عايش كل تلك المصائب، لحظة بلحظة، وفصلا بعد آخر، إن لم يُطل بذلك كله وهو حاضره بكل مشاعره - رغم مرضه الذي أوهن جسده الرشيف- زمن نصف يوم، فإن مدى سوق الاعداء له، ولعمّته ونساء ابيه واخواته، مصفّدين في الحديد سبايا الى الكوفة، ومنها الى دمشق، فُرجة للقاصي والداني، قد شقّ عليه ذلك أكثر- وهم أهل بيت عزّ لم يتعوّدوا على تلك الحال من الهوان على الناس - ولو افتدى تلك الوضعيّة بنفسه، لما تردد في الفداء.
لقد جاءنا من الاخبار، ما يفيد شيئا من ذلك الحزن العميق، الذي غشي قلب الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، فقد ذكروا أنه حزن وبكى بعد الحادثة أربعين سنة، بمعنى يشير الى أن تلك المدة، هي الباقية من حياته بعد أبيه عليه السلام، كان لا يتمالك من البكاء كلما قدم له الماء والطعام، فلم يرى فرحا ولا ضاحكا خلالها أبدا.  
فعن الامام الصادق عليه السلام: "أَمَّا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السَّلام فَبَكَى عَلَى الْحُسَيْنِ عليه السَّلام عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامٌ إِلَّا بَكَى، حَتَّى قَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قال: (إنما أشكو بثي وحزني الى الله
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (1) إِنِّي لَمْ أَذْكُرْ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتْنِي لِذَلِكَ عَبْرَةٌ". (2)
و عَنِه أيضا عليه السَّلام: "أَنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ بَكَى عَلَى أَبِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، صَائِماً نَهَارُهُ، قَائِماً لَيْلُهُ، فَإِذَا حَضَرَ الْإِفْطَارُ، جَاءَ غُلَامُهُ بِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، فَيَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: كُلْ يَا مَوْلَايَ.
فَيَقُولُ: قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ جَائِعاً، قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ عَطْشَاناً، فَلَا يَزَالُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ وَ يَبْكِي حَتَّى يُبَلَّ طَعَامُهُ بِدُمُوعِهِ، وَيُمْزَجَ شَرَابُهُ بِدُمُوعِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ".(3)
ولم يكن بقية ائمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام، أقلّ حزنا ممن شاهد لوعتهم وحضر مصيبتهم، فإنهم وان تعددت أسماؤهم، قد اتحدت خصالهم ومشاعرهم، في ادراك واحساس واحد.
عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ‏ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَدُمُوعُهُ تَنْحَدِرُ عَلَى عَيْنَيْهِ كَاللُّؤْلُؤِ الْمُتَسَاقِطِ. فَقُلْتُ: مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ فَقَالَ: " أَفِي غَفْلَةٍ أَنْتَ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحُسَيْنَ عليه السلام أُصِيبَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ"؟ فقلت: مَا قَوْلُكَ فِي صَوْمِهِ؟ فَقَالَ لِي: " صُمْهُ مِنْ غَيْرِ تَبْيِيتٍ، وَأَفْطِرْهُ مِنْ غَيْرِ تَشْمِيتٍ، وَلَا تَجْعَلْهُ يَوْمَ صَوْمٍ كَمَلًا، وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ بعد صلاة الْعَصْرِ بِسَاعَةٍ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَجَلَّتِ الْهَيْجَاءُ عَنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم" . (4)
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ، قَالَ: قَالَ الرِّضَا عليه السَّلام: "إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فِيهِ الْقِتَالَ،  فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا، وَهُتِكَتْ فِيهِ حُرْمَتُنَا، وَ سُبِيَ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَ نِسَاؤُنَا، وَأُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا، وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقْلِنَا، وَلَمْ تُرْعَ لِرَسُولِ اللَّهِ حُرْمَةٌ فِي أمرنا إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا، وَأَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَأَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَالْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ. فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ ".
ثُمَّ قَالَ عليه السَّلام: كَانَ أَبِي إِذَا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكاً، وَ كَانَتِ الْكَآبَةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْعَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِ وَ حُزْنِهِ وَ بُكَائِهِ، وَ يَقُولُ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ " .(5)
وبمراجعة عشرات الروايات التي جاءتنا من كتبنا المعتمدة ومن غيرها، نرى أن ما يمارس منذ قرنين تقريبا من تطبير، وأعمال منفرة مقززة للأنفس المحترمة، لا أثر لها ولا وجود في حياة الأئمة الاطهار عليهم السلام، حتى على سبيل المجاز، فهي بعيدة كل البعد عن ثقافة الوعي الإسلامي، التي تجسّد الأهداف العظيمة، لثورة الامام الحسين عليه السلام في إصلاح أمة جدّه، ثورة فريدة يحق للبشرية جمعاء أن تنهل منها، دون حاجز يحول بينها، من المعيب تدنسيها وتشويهها على ذلك النّحو المقرف، وما أسفر عليه من نفور غير المسلمين الشيعة، وغيرهم من بقية العالم من التشيّع.
أول روايات تحريم إيذاء النفس، والبروز بأعمال الجاهلية، تعبيرا بعدم القبول بقضاء الله وقدره، كانت ضمن وصيّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابنته فاطمة عليها السلام: "إذا أنا مت فلا تخمشي عليّ وجها ولا تنشري عليّ شعرا ولا تنادي بالويل ولا تقيمي عليّ نائحة." (6) فككيف يجوّز لمن من رأى في التطبير حلّية، أن لا يلتفت الى كل هذه النصوص، فيتبرأ من افعاله ويقرّ بعدم مشروعيته؟
إنّ أكبر ما ابتلي به التشيع في عالمنا الإسلامي، هي الإساءات الصادرة ممن يعتقدون أنفسهم اتباعا لأئمة الهدى عليهم السلام، من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم  والتي يرونها تمثل مظهرا صالحا، للتعبير عن الولاء والوفاء، لهؤلاء السادة الأطهار، جهلا بحكم ما قاموا به أو دراية، منهم من أخذوها وراثة - مع انها حديثة العهد - بعدما وجدوا آباءهم مقيمين عليها، دون أن يبحثوا عن مصدرها من أين جاءت؟ أو يكلّفوا نفسه بسؤال ذوي العلم والتقوى عن مشروعيتها، ومنهم من اتبعها تقليدا لأصحابها وذوي التأثير عليه، اعتقادا منهم بأن كل ما يرونه معمولا به من طرفهم، يندرج ضمن أدبيات التّشيع لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم،  فأخذوا به مطمئنين يطلبون به القرب والأجر، ويعبّرون من خلاله عن منهج، وجدوا أنفسهم فيه بلا أدنى بحث ولا عناء.
ولو أن هؤلاء المغرر بهم، والمشتبه عليهم قيام الحسين عليه السلام، ودوافعه الاصلاحية في مسيرته الثورية، التفتوا بشيء من التعقّل الى ممارساتهم، وسألوا أنفسهم لماذا يقومون بتلك الافعال المشينة؟ - والتي تزايدت أخيرا بعد دروج التطبير (7)لتلتحق بها بدع أخرى، ما انزل الله بها من سلطان، كالزحف المقدس، والمشي على الجمر، وطلاء الوجه او الجسم كله بالطين- أهي تعبير عن مواساة وحزن؟ فإن كان كذلك فإن إسالة دمعة واحدة، هي أبلغ للحزن من تلك الافعال كلها، واعتقد جازما أنهم أعجز من أن يسيلوا دمعة واحدة، على مصيبة الامام الحسين عليه السلام، فضلا عن أن يسيلوها خشية من الله.
وإن سألتهم هل أنتم فيما تقومون به، مستندون الى نص واحد صحيح، ثابت عن النبي ، أو أحد الائمة الاطهار عليهم السلام، تراهم بأشباه علمائهم يتذرّعون بسخافات لا علاقة لها بهدي آل محمد، وما نقلوه عن السيدة العظيمة عقيلة بني هاشم زينب الحوراء عليها السلام، من انها نطحت راسها على مقدم المحمل، حتى سال الدم من وراء حجابها، وهنا يسقط الخبر بمن إدّعاه، فلا مطّلع على حال زينب عليها السلام في ذلك الوقت، وما أثبته المحدّثون عنها، أنها عملت بنصيحة اخيها الإمام الحسين عليه السلام، الذي قال لها:" يا أختاه أقسمت عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليّ جيبا، ولا تخمشي عليّ وجها، ولا تنشري عليّ شعرا ولا تدعي عليّ بالويل والثّبور إذا أنا قُتلت." (8)
فوفّت بقسمه أيّما وفاء، حيث وقفت في كربلاء، صابرة محتسبة صامدة كالجبل الرّاسي، شاهدة على تضحيات إخوتها، وابناء اخوتها، وابناء عمومتها، وابنيها عون ومحمد واصحاب أخيها شيعة أهل البيت حقا، يتتابعون في مشهد يهدّ الجبال، شهيدا وراء الآخر، ومع كل تلك المشاهد المفرطة في القسوة على قلبها الحيدريّ، ولا عجب من سليلة عليّ عليه السلام، أن تكون بتلك الرّباطة العالية من الجأش، لم يصدر منها ما يشير من قريب ولا بعيد، من الجزع والخروج عن آداب الاسلام، في الصبر عند البلاء، الى ما ابتدعه دعاة الضلال، وصنّاع البدع بلا بيّنة، مدفوعين بتوهّم مواساة أهل البيت عليهم السلام، بتلك الطريقة التي لا علاقة لها أبدا بالإسلام، وهي لعمري شراك صهيونية خبيثة.
بل إن في اجابة السيدة زينب لابن زياد الملعون، وهو في قمة سعادته، ورضاه بما جناه، قد اسقطت عنه كل أحاسيسه الشيطانية، وحوّلته في مجلسه الى مجرّد دعيّ كاذب، يحاول أن يظهر بمظهر الحاكم المنتصر بقوله: " الحَمْدُ لله الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ. فَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ(9) يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ. ( 10)
دليل قاطع على استقامة أدائها،  في أحرج الأوقات، وأشدّها ثقلا ومسؤولية وخطرا، وثباتها على مناج أهل بيتها، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، يُبعد عنها شبهة هذا النّطح الذي استدل به المطبّرون على جواز التطبير.
وما أجمل في نظر المؤمنين من الشهادة في سبيل الله، لا اعتقد أبدا أن ذلك المقام الرفيع الذي ناله اهل البيت عليهم السلام، يقابل من طرفهم بما يخالف شريعة جدهم ابي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيسيء لها أيّما اساءة، وحاشا الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أن يكونوا بذلك التدنّي، الذي يليق بعامة الناس وجهّالهم.
ولو أن هؤلاء المشتبهة عليهم كيفية إقامة مراسم العزاء الحسيني، عادوا إلى مراجع التقليد في عموم استفتاءاتهم بهذا الخصوص، واتّبعوا اغلبية اٌقوالهم، لوجدوا ما يشفي غليلهم، في معرفة ما اذا كان ما يقومون به من أفعال، مخالفة لسماحة الدين ووسطيته، وبعده عن كافة اشكال التطرّف جائزا؟ أم هو خلاف ما عرفه الشيعة منذ يوم عاشوراء.
لقد استهدف التشيع قديما بإرهاب الطغاة، فقتلوا من قتلوه من أتباعه، واحرقوا ما أحرقوه من ثراثهم، امعانا منهم في اذهاب ريحه واستئصال شأفته، واستهدف منذ قرن ونيّف من القوى الاستعمارية، التي عرفت ما يمثّله من قيم صحيحة، فسعت الى تشجيع أي بدعة، يمكن ان تنطلي على عوامه، فتلتصق به، ذكر المؤرخ إسحاق نقاش، في كتابه (شيعة العراق)، أن أول من أدخل التّسوّط، (11) وشق الرؤوس بالسيوف، إلى النجف الأشرف في العام 1919، هو الحاكم البريطاني، الذي خدم سابقاً في كرمنشاه، ونقل الممارسة إلى العراق، عبر الهنود الشيعة، بهدف إضعاف الحوزة حينها، وكشفت بريطانيا عن ذلك في العام 1970، في كتاب (دليل الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية) لمؤلفه جون جوردون لوريمر John Gordon Lorimer.
وغير خاف هدف هذا التوريد المريب، من طرف البريطانيين، لما لاحظوه من تأثير الحوزة العليمة وعلمائها، على الوسط الشعبي في بلاد المسلمين الشيعة، وقدرتهم على حشد الجماهير بالنداء والفتوى، ضد الاستعمار البريطاني، نظرا لقداسة الحوزة وعلمائها وتلاميذها، عند عموم الشيعة، وكلنا يتذكر ثورة العشرين في العراق 1920 التي قادها هؤلاء العلماء الاحرار.
أما الشهيد مرتضى مطهري فيذكر: "إن التطبير والطبل عادات ومراسم جاءتنا من أرثوذكس القفقاز وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم". (12) ويتطابق كلامه مع المؤرّخ السيد حسن الأمين الذي قال: هناك قولاً يقول بان التطبير بدأ في عهد الصفويين، والشيء الذي قد يكون معقولاً هو انه كان في بلاد القوقاز مسيحيون، يقومون بتعذيب جسدهم فداءً للسيد المسيح، وكان في القوقاز عدد قليل من الشيعة نقلوه إلى إيران، عندما كانوا يذهبون لزيارة ضريح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. (13)
ولا يختلف كلام الشهيد علي شريعتي عما سبق، حيث نسب ظهور التطبير وتوابعه الى الدولة الصفوية، فقال: "ذهب وزير الشعائر الحسينية إلى أوروبا الشرقية، وكانت تربطها بالدولة الصفوية روابط حميمة يكتنفها الغموض، وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعة، حول المراسيم الدينية، والطقوس المذهبية، والمحافل الاجتماعية المسيحية، وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية، والوسائل المتبعة في ذلك، واقتبس تلك المراسيم والطقوس، وجاء بها إلى إيران ".(14)
مسالة تحريم التطبير، وكل عمل سيء للتشيع وللإمام الحسين عليه السلام وثورته الاسلامية، هي من بديهيات التي أملت على مراجع وعلماء الشيعة الاعلام منذ أن بدأت تلك الظاهرة الغريبة على التشيع تغزو الوسط الشعبي الشيعي، فلم يتمالكوا من القول الفصل بشأنها قطعا لأي شك في حرمتها، ودفعا لأي اشتباه في حكمها، فهذا ولي امور المسلمين الامام القائد الخامنئي دام ظله الشريف قد افتى بها ردّا على سؤال وجّه اليه: 
ج: التطبير مضافا إلى أنه لا يعد عرفا من مظاهر الأسى والحزن وليس له سابقة في عصر الأئمة عليهم السلام وما والاه ولم يرد فيه تأييد من المعصوم عليه السلام بشكل خاص ولا بشكل عام، يعد في الوقت الراهن وهنا وشينا على المذهب فلا يجوز بحال. ( 15)
وفي جواب آخر قال سماحته: ما يوجب ضرراً على الإنسان، من الأمور المذكورة، أو يوجب وهن الدين والمذهب، فهو حرام يجب على المؤمنين الاجتناب عنه، ولا يخفى ما في كثير، وله رأي واضح بضرر التطبير، وحرمته في مسائل أخرى، من تلك المذكورات من سوء السمعة والتوهين عند الناس، لمذهب أهل البيت عليهم السلام، وهذا من أكبر الضرر وأعظم الخسارة، وهو واضح بحرمة هذا العمل، بالعنوانين الأولي والثانوي."(16)
كما لن يتخلّف العلماء الابرار الاعلام، في التصدّي لظاهرة مسخ الشعائر الحسينية في الثورة والاصلاح، فاعلنوا رفضهم للتطبير بتوائمه من البدع التي ما أنزل بها من سلطان، فصرحوا بحرمتها تصريحا باتّا، وقالوا بعدم جواز القيام بها، لما أحدثته من ضرر بالإسلام المحمدي الأصيل، الذي يمثله التشيّع للأئمة الهداة عليهم السلام من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إنما كانت نهضة الامام الحسين عليه السلام، من أجل تحيق الاهداف العليا للإسلام، في الاصلاح والثورة على أهل الفساد، وهاضمي حقوق الله وحقوق العباد، وقد أعطى من نفسه المثل، ليقوم الناس ضد أي سلطان جائر لإسقاطه، مهما كلفهم من تضحيات، فلا عيش يستحق البقاء والثناء عليه، سوى عيش الأحرار.
المراجع
1 – سورة يوسف  الآية 86
2 – وسائل الشيعة الحر العاملي ج 3 ص 280
3 – وسائل الشيعة ج 3 ص 282
4 – وسائل الشيعة ج 10 ص 459 .
5 – بحار الأنوار المجلسي ج 44 ص 283
6 – الكافي الكليني ج5ص527 باب صفة مبايعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء/ وسائل الشيعة الحر العاملي ج3ص272 / بحار الانوار المجلسي ج79ص76 باب 16 التعزية والمآتم وآدابها وأحكامها/ نور الثقلين الحويزي ج5 ص 308 / مستدرك الوسائل النوري ج 2 ص452
7 – ضرب الراس بالسيوف والقامات لإسالة الدم
8 – الارشاد الشيخ المفيد ص232/ تاريخ الطبري ج5ص420/ العوالم الامام الحسين الشيخ عبد الله البحراني ص 246
9 – الفلج هو الظفر والفوز. مجمع البحرين الطريحي ج3ص425
10 – الارشاد الشيخ المفيد ج2ص 115/ العوالم الامام الحسين عبد الله البحراني ص383 / الفتوح ابن اعثم الموفي ج5ص122/
11 – ضرب الجسد بالسلاسل
12 – الجذب والدفع في شخصية الإمام علي عليه السلام ص 165
13 – التطبير تاريخه وقصصه أحمد العامري الناصري ص31
14 – التشيع العلوي والتشيع الصفوي الدكتور علي شريعتي ص208
15 – أجوبة الاستفتاءات  الامام السيد علي الخامنئي ج2ص 129
16 – مجلة بقية الله السنة11 العدد 126 ملف العدد عادات عاشوراء







jeudi 5 septembre 2019

أنجز حر ما وعد



بقلم: محمد الرصافي المقداد
مثلما وعد سيد المقاومة من قبل، ووفى بوعده تماما، خرج علينا منذ أيام بخطاب هام، بمناسبة الذكرى الثانية لاجلاء الارهاب عن الجرود اللبنانية والقلمون, وانهاء وجودهم وهناك 27/8/2017 متزامنا مع  العدوان الغادر، الذي شنه العدو على موقع للمقاومة في عقربا بريف دمشق، واسفر عن استشهاد عنصرين من عناصره، ليتوعد الكيان الصهيوني، ويوجه له  تحذيرا بلهجة واثقة، واعتداد بالنفس دلت عليه كلماته، التي وجهها لساسته، وأطلقها على جنوده بسخرية: " وقفوا على رجل ونصف وانتظرونا يوم يومين ثلاثة اربعة انتظرونا . "
وجاء موعد تنفيذ الرد، فكان دقيقا في اختيار موقعه، وناجحا في تنفيذه، وموجعا في حصيلته،  ردا أثلج صدور قوم مؤمنين، واغاظ قلوبا صدأتها الانحرافات عن جادة، الحق فاعلنت استنكارها للعملية، وعبرت عن مواساة حقيقية للعدو الصهيوني، مثال على ذلك وزير الخارجية البحريني، الذي كتب  يوم امس 1/9/2019 في تغريدة له على تويتر:
 : "اعتداء دولة على أخرى، شيء يحرمه القانون الدولي، ووقوف دولة متفرجة، على معارك تدور على حدودها، و تعرض شعبها للخطر، هو تهاون كبير في تحمل تلك الدولة لمسؤولياتها".
وان كان مقرفا، نقل مثل هذه الغثيانات العفنة، في مقال أردته ثناء على المقاومة، وتثمينا لعملية جهادية نوعية، جاءت ردا على اغتيال الشهيدين السعيدين، حسن زبيب، وياسر ضاهر، فانه من الضروري التذكير، بالتحول الجذري للنظام الرسمي العربي، في الخليج ودول أخرى، لا تزال تخفي تطبيعها وعلاقاتها السرية مع الكيان الصهيوني، ليظهر عند افتضاحه عميقا، الى درجة لم نكن نتوقعها، فبضاعة السياسيين العرب اليوم، تهافت تهافت الذباب على القمامة، تعبير دقيق على موافقتهم على التطبيع مع الكيان الصهيوني، من إجل أن يكون لهم نصيب من السلطة في بلدانهم، وهذا طريق كل خائن لامته وقضاياها وحقوقها، متسلق متملق لأمريكا والغرب، وقد عرفوا بعلاقاتهم المريبة، مع دوائر عالمية مشبوهة، من اين تؤكل الكتف، بيع للمبادئ والقيم، والموافقة على ما يرتضيه عمهم سام ويجازيكم عليه.
شبه جزيرة البحرين، ذلك البلد الذي لا يرى في الخارطة بالعين المجردة، فهو كمحاق الشهر القمري المنقضي، وولادة الشهر الجديد، اصبح وزير خارجيته، وطبعا باذن ولي امره حمد بن خليفة، يخرج علينا بتصريحات مستهجنة، هي بنظر اهل الدراية بالسياسة العالمية، اكبر بكثير من حجم البحرين الميكروسكوبي، غير ملتفت اليها من الغرب، لا بعين الرضا، ومسكوت عنها من حيث انه لا وزن لها، ولا تمثل شيئا في مجال السياسة الخارجية العالمية، منتهى نظرتهم إليها، أنها تعبير عن خنوع تافه لا مثيل له، في عالم عبيد امريكا، وجدير بالكيان ان يمنحه جنسية صهيونية ووسام عمالة،  يكونا خاتمة حياته السياسية التي بدأت تقترب من نهايتها.
من جانب آخر، وبخصوص قسم من الامة، متوتور طائفيا، ومعاق فكريا، وكسيح أيديولوجيا، ظهرت ردات أفعالهم، معبرة عن استفاقة مريض مودع بالعناية المركزة، بعد سنوات من دخوله في غيبوبة، لا يدري فيها ما حصل، مشككا ان كان طوال تلك المدة غائبا عن وعيه، وهذا الوصف، أراه من ألطف ما يمكنني التعذر لهم به، في مواقفهم المتخاذلة من المقاومة الإسلامية، وفي عقليتهم المريضة، ان الإسلام ينتهي عندهم، ولا احد غيرهم مخول له الإنتساب إليه في ذلك الإطار.
هؤلاء تحديدا، من لازموا الوقوف مع الإرهاب، منذ أن حل بسوريا والعراق، واعتبروه اسلاما غاضبا، وثورة ضد الاستبداد والظلم، وذهبوا إلى حد الدعاء لداعش بالنصر والتمكن على أرض الشام والرافدين، والخلافة في نظرهم استقواء ونمكن بالقوة والارهاب، قد أصابهم ذهول مما حصل من كسر شوكته هناك، فانثنوا على إيران الإسلامية ومحور مقاومتها، تشكيكا في صدق نواهاهم وحقيقة اهدافهم، فكل ما يأتي من جانب هؤلاء الاحرار، مجرد اتفاقات مسبقة  تتم بالتعاون مع الكيان، ذرا الرماد في العيون.
العملية النوعية الاخيرة، التي نفذتها مجموعة الشهيدين حسن زبيب وياسر ضاهر، تعتبر في ميزان نكافئ القوى مع العدو الصهيوني، راجعة بكفة المقاومة، ومثبتة مدى جدارتها وجهوزيتها في الرد على اي عدوان صهيوني، سواء في لبنان أو في سوريا، ومن يدري، لعل الحشد الشعبي في العراق، يرد على العدوان الصهيوني الذي تعرض له.
مرحلة جديدة دخلتها عناصر المقاومة، تقطع في اتجاه المعركة الحاسمة المرتقبة، التي يبدو أن تسخينها قد بدأ، وان لم تظهر اشاراتها في العلن، فكل من المقاومة والعدو الصهيوني لهما أوراق مخفية، لا تظهر إلا في وقتها المناسب.


الثورة الحسينية مدرسة مقارعة الظلم



بقلم محمد الرصافي المقداد
سلك الامام علي عليه السلام وذريته الطاهرين طوال حياتهم نهجا اصلاحيا، وكان هدفهم في كل حركة قاموا بها، سلمية كانت أم عسكرية الاصلاح في الامة، فما كان يقتضيه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر باللسان، قاموا به بكل ما أتاهم الله من بيان ومنطق وحكمة، ولم يهادنوا فيه أحدا من الناس مهما كانت سلطته، امتثالا لأمر الله في الإصلاح.
نعم لقد كانت أغلب وصايا الإمام علي عليه السلام التي وصلتنا، على ذلك النّحو من الدعوة إلى الإصلاح، قرآنية في دعوتها، كما قال بشأنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "علي مع القرآن والقرآن مع علي" (1) لم تختلف في شيء منه، مصداق قوله تعالى:" ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون." (2)
وكان من بين وصاياه عليه السلام، لإبنيه الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام، في آخر عهده وهو يجود بنفسه:" أوصيكما بتقوى الله، وأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُم(3)، وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ (4( عَنْكُمَا، وَقُولاَ بِالْحَقِّ، وَاعْمَلاَ لِلْأجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ  عَوْناً. أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: "صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ والصّيام ... وَاللهَ اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُل(5) وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ .لاَ تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ." (6)
ولم يحد أولاده الائمة الهداة عليهم السلام عن نهجه قيد أنملة، وسِيرهم كلها متطابقة في الأداء، من أجل تقديم الإفادة والعون للأمة، وإصلاح شأنها، وقوام دينها، فلم يبخلوا عليها بنصح، يزيل عنها الحيرة، ويرفع عنها سوء التقدير والتدبير، ولا اعتزلوا مجتمعهم بعد غصب حقوقهم، غضبا لأنفسهم، وإنما كان غضبهم دائما في ذات الله، كما ذابت ذواتهم في طاعته، والامثال لجميع أحكامه، فلبستهم التقوى ظاهرا وباطنا، أفرغوا قلوبهم لحبّ الله، فسكن فيها، وبادلهم بحبّ أكبر وأعظم، بأن اصطفاهم وجعلهم مصداق دينه، هؤلاء هم أولياء الله وأحباؤه حقا.  
كان الامام الحسين عليه السلام يدرك صعوبة مهمّته، فيما عزم عليه من محاولة تغيير مجرى الحكومة، من الاستبداد والظلم والفساد، الى وضع يستجيب لأحكام الله في العدل والاحسان، ولا يمكن أن يتحقق ذلك الا بتغييرها، واستبدالها بكفاءة تحقق ذلك الهدف السامي في الاصلاح، بالثورة ذات القيم الاسلامية، التي دعاه اليها أهل الكوفة، ليكون قائدهم فيها، بعدما نقض معاوية عهد أخيه الامام الحسن عليه السلام، انتهى الى تولية ابنه يزيد الفاسق على الأمة.
لكن يتبادرنا سؤال يقول: لماذا استجاب الامام الحسين عليه السلام لأهل الكوفة، وهو يعلم أنهم ليسوا على قلب رجل واحد، وتجربة ابيه وأخيه المريرتين، لا زالتا ماثلتين أمامه؟
وجوابه ان الامام الحسين عليه السلام ما كان ليرفض طلب حق، جاءه من شخصيات يعرفها جيدا، ولها مكانتها وتأثيرها في الكوفة، كانت معدودة من ضمن شيعة أبيه، فكان لزاما عليه أن يهبّ لتخليص هؤلاء من ظلم الأمويين، خصوصا بعدما سعى يزيد بن معاوية، في أوّل توليه السلطة توريثا من أبيه، الى أخذ البيعة من الامام الحسين عليه السلام، الذي يراه البيت الأموي عقبة في وجه استتباب الأمر الحكومة لهم، ومن دون الزامه بالبيعة، يبقى عائقا لسياساتهم الظالمة.
لقد دعا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الامام الحسين عليه السلام الى تلبيته، والخروج الى اولئك الدين عاهدوه على السمع والطاعة، والبيعة لله، فلم يتردد في الاستجابة لدعوات اعتبرته منقذا، وخرج بأهله وولده مهاجرا الى الله، هجرة حق ودعوة صدق، مع أنه كان يعلم يقينا أنه سيخذل، ويكون وحده في مواجهة جبروت وطغيان بني أمية، بتلك القلة القليلة، التي رافقته الى كربلاء.
وهنا تبدو المفارقة العجيبة، التي تعلّقت بالإمام الحسين عليه السلام، الذي نشأ على ثقافة الموت والشهادة، والصبر على بلائهما، وفي بيت اصطفاه الله ليمثّل عبوديّته الحقّة، ويعطي للناس من أفراده أمثلة حق، ونماذج صدق للإسلام المحمدي الأصيل- بهم تشّكلت عناصر هداية الأمة - ومن ازداد قربا من الله، زاده الله بلاء، ليختبر صبره في ذاته.
تلك المفارقة تمثلت، في أنّه عند ولادة الامام الحسين عليه السلام، جاء وحي الله الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليخبره بما سيصيب ابنه من أمّته، فكان خبرا ثقيلا على قلبه صلى الله عليه وآله وسلم، حوّل فرحه بمقدمه، الى حزن كبير، رافقه بقية سنوات حياته، هذه الحالة الطارئة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوق أنّه كان دائم التفكّر، والاشتغال بما يزيد من حسن أدائه التبليغي، لم يذكرها اصحاب السير والتاريخ، فلم ينفذ منها لدى الحفاظ، سوى روايات معدودة، جاءنا فيها ما أثبت ذلك الحزن.
ومن جدّه وأبويه، تعلّم الامام الحسين عليه السلام، كيف يهيئ نفسه ليصبح ذلك الفداء العظيم، الذي قدّمه من أجل الاسلام والاصلاح في الامة، ليكون "مصباح هدى وسفينة نجاة"(7)  لكل من سلك طريق الثورة على الظالمين، على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الموت في سبيل الله عند هؤلاء الاخيار عليهم السلام، بقاء وخلود، والحياة من أجل نيل وطر من الدنيا وحبّا فيها، موت وفناء، وبتعبير الامام علي عليه السلام: "الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين."(8)، وما قيمة المسلم في عيش تحت حكم سلطان جائر، مستبد منتهك لحرم الله؟  كيف يستطيب عيشه تحت سقف الظلم ودولته، وهو يتجرّع غصص القهر والذلّ؟ وفي المقابل، فإن الموت بصدد مقاومة الظالمين، يرى بعقل البصير حياة بقهر الظالم، وعدم الاستجابة له، والبراءة منه على ذلك النّحو العالي من التضحية، وبتعبير الامام الحسين عليه السلام: " إن لم يكن دين محمد لم يستقيم الا بقتلي، فيا سيوف خذيني" (9) 
لقد كانت نظرة الامام الحسين عليه السلام الى العيش تحت سلطان هؤلاء الظالمين، سآمة وضجر، لذلك خيّر الموت على البقاء فيها، باعتباره سعادة له بلقاء ربه:" إني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً." (10)
لقد سطر الإمام الحسين عليه السلام بثورته الإسلامية المباركة، مسيرة الحرّية من عبودية البشر، وظلمهم وجرأتهم على الله، فكانت ملحمة وفائه لله ودينه، كان همّه الأكبر متّجه اليه، منيب له راضيا بما قدّره، ونعم الأجر أجره وأهل بيته عليهم السلام، وأصحابه رضوان الله عليهم.
تعتبر مسيرة الامام الحسين عليه السلام من بدايتها، حتى اكتمال فصولها، مدرسة مثالية للثورة والفداء والصبر والتضحية والشهادة، استلهم منها الأحرار من المسلمين ومن العالم، دروسا في الإيثار بالنفس والنفيس، من اجل صون المبادئ والقيم، فقامت ثورات عديدة قادها سادة من أهل البيت عليهم السلام، انهت طغيان الحكم الأموي، وثورات اخرى زعزعت عرش الاسرة العباسية، ولا يزال الامام الحسين عليه السلام وثورته، مُستلهمَ اتباعه وشيعته، في الانتفاض في وجه الظالمين، والدفاع عن دينهم وحقوقهم.
وهذا قائد الثورة الاسلامية، وصانع انتصارها الامام الخميني رضوان الله عليه، في عديد خطبه وبياناته، الى أبنائه من الشعب الإيراني، والى عشاقه في اصقاع الارض، يصرّح بأن الامام الحسين عليه السلام وثورته، كانا مستلهم الشعب الايراني، لقيامه وانتصاره على نظام الشاه العميل للغرب، والمعادي للإسلام وأهله: "إنّ كل ما لدينا هو من شهر محرم الحرام، وان المجالس التي تقام فيه، انما هي من بركة استشهاد الامام الحسين (ع)، فهذان الشهران حافظا علي الاسلام، بفضل تضحيات سيد الشهداء (ع)، فيجب أن نحافظ علي المآتم التي تقام في هذين الشهرين، اذ أن بقاء الدين تمّ بفضل مراثي و مآتم أهل البيت عليهم السلام ".(11)
ويؤكّد الامام الخميني رضوان الله عليه، على أن واقعة كربلاء ليست متعلقة بمكان أو زمان، وانما يجب أن تعتبر مثالا عظيما، قابلا للتكرار في كل زمان ومكان، كلما وجد ظالم، وعلى احرار تلك الشعوب أن يبادروا الى مقاومته، بكل الوسائل والطرق، حتى لا يكون مصيرهم نفس مصير ذلك الظالم، فيدخلهم الله مدخله، يقول رجل الاصلاح في القرن الماضي:
" ان شعار «كُلُّ يَومٍ عاشُوراء و كُلُّ أَرضٍ كَربَلاء»، يجب أن تتخذه الاسلامية نبراسا لها ، وتنطلق منه الحركات الثورية، في كل يوم أو أرض، لقد كانت واقعة عاشوراء من أجل اقامة العدل، وشاركت فيها فئة قليلة، لكن ايمانها كان كبيرا للغاية، وحبها للمطلق كبير أيضا، لتقف امام الظالمين الذين يقبعون في القصور والمستكبرين الناهبين لأموال الناس، وبالتالي فان الشعار يعني  الوقوف بوجه هؤلاء، و يجب اعتماد ذلك نبراسا للحياة، في كل يوم وفي كل أرض." (12)
وبالتوازي مع مدرسة الشهادة الحسينية، ظهرت فقاقيع اساءة للإمام الحسين عليه السلام عبّر من خلالها المرجفون أتباع الظلمة ومذاهبهم العاطلة، عن انحيازهم الى قاتل الامام الحسين وأهل بيته وأصحابه، واعتبار أن خروجه كان خطأ وخروجا عن وليّ الأمر، وقد استنكر ابن خلدون من قال ذلك في كتابه: " وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكيّ في هذا، فقال في كتابه الّذي سمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه: "إنّ الحسين قتل بشرع جدّه" وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومَن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء."(13)
تعبير اجترأ فيه فقيه السلطان ابن عربي، على سيد شباب أهل الجنة عليه السلام، بمقالة دلّت على سقوط ديني وفكري واخلاقي لهذا الفقيه، وكل من وافقه على رأيه، ولا اعتقد ان المالكية يرضون به فقيها، ولا يقيمون لقوله المسيء لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأهل بيته  عليهم السلام وزنا، ولكل حرّ لا يقبل الاستكانة، والتمشي مع الظالمين لا يرضى بمقالته، ويعتبرها توددا للظالمين، وتعبيرا لهم على انحيازه اليهم في ظلمهم، مقابل متاع قليل.
حيث نرى أنّ أغلبية المسلمين اليوم على دين ملوكهم، حيث لا رأي لهم إلا ما يراه هؤلاء الظالمين، تماما كما أخبرنا القرآن الكريم بشأن فرعون: " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (14) وبذلك يفرّط من اتّبع طريق السلطان الجائر، في الاقتداء بسيد شباب أهل الجنة، فيرضى بحياة الذل والهوان، تحت رحمة الظالمين، لا يحركون ساكنا تجاههم، لتبقى مدرسة كربلاء وملهمها وقائدها الإمام الحسين عليه السلام، بعيدا عن ولاء من قصرت يده عن راية ثورته الملهمة، ليبقى نداءه : "هل من ناصر ينصرنا؟ هل من معين يعيننا؟ هل من ذابّ عن حرم رسول الله صلى الله عليه واله؟" تتلقفها الآذان الواعية، ولا يصل الى الآذان الصمّاء الذليلة الخانعة.
ولو اجتمع المسلمون على الاقتداء بالإمام الحسين عليه السلام، في ثورته ضد فرعون عصره يزيد بن معاوية، لاستأصلت شأفة الظالمين في بلدانهم، وقطع دابرهم في الامة، اما وقد تخلّوا عنه، وتجاهلوا نهضته الاسلامية العادلة، ولم يقيموا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النتيجة أن الهوان لحق بهم اجيالا متعاقبة، ولا مفرّ لهم من حياة الذلّ والتبعية والهوان، بغير اتباع المنهج الحسيني في التغيير.
المراجع:
 1 – المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري كتاب معرفة الصحابة ج 3ص 123 ح 4679و4685/ ينابيع المودة القندوزي الحنفي ج1ص 124 ح56 وج2ص 96ح234/ المعجم الاوسط الطبراني، نقله عنه صاحب ينابيع المودة القندوزي الحنفي ج2ص396
 2 – سورة آل عمران الآية 104
3 – بغت بمعنى أرادت
4 – زُوي مُنع وقُبض عنه
5 – التباذل من البذل وهو تبادل العطاء
6 – نهج البلاغة الامام علي عليه السلام الخطبة رقم 47
7 – بحار الأنوار المجلسي ج36 ص205 وج91 ص184
8 – نهج البلاغة الامام علي ج1 خطبة 51
9 – معالم المدرستين مرتضى العسكري ج3 ص303
10 – اللهوف في قتلى الطفوف السيد ابن طاووس ص 48
11 – مجلة بقية الله السنة الرابعة العدد 46

12 – دوحة الولاية العدد 219 محرم 1438 ه

13 – تاريخ ابن خلدون ج1ص 271

14 – سورة غافر الآية 29