jeudi 5 septembre 2019

الثورة الحسينية مدرسة مقارعة الظلم



بقلم محمد الرصافي المقداد
سلك الامام علي عليه السلام وذريته الطاهرين طوال حياتهم نهجا اصلاحيا، وكان هدفهم في كل حركة قاموا بها، سلمية كانت أم عسكرية الاصلاح في الامة، فما كان يقتضيه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر باللسان، قاموا به بكل ما أتاهم الله من بيان ومنطق وحكمة، ولم يهادنوا فيه أحدا من الناس مهما كانت سلطته، امتثالا لأمر الله في الإصلاح.
نعم لقد كانت أغلب وصايا الإمام علي عليه السلام التي وصلتنا، على ذلك النّحو من الدعوة إلى الإصلاح، قرآنية في دعوتها، كما قال بشأنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "علي مع القرآن والقرآن مع علي" (1) لم تختلف في شيء منه، مصداق قوله تعالى:" ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون." (2)
وكان من بين وصاياه عليه السلام، لإبنيه الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام، في آخر عهده وهو يجود بنفسه:" أوصيكما بتقوى الله، وأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُم(3)، وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ (4( عَنْكُمَا، وَقُولاَ بِالْحَقِّ، وَاعْمَلاَ لِلْأجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ  عَوْناً. أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: "صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ والصّيام ... وَاللهَ اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُل(5) وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ .لاَ تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ." (6)
ولم يحد أولاده الائمة الهداة عليهم السلام عن نهجه قيد أنملة، وسِيرهم كلها متطابقة في الأداء، من أجل تقديم الإفادة والعون للأمة، وإصلاح شأنها، وقوام دينها، فلم يبخلوا عليها بنصح، يزيل عنها الحيرة، ويرفع عنها سوء التقدير والتدبير، ولا اعتزلوا مجتمعهم بعد غصب حقوقهم، غضبا لأنفسهم، وإنما كان غضبهم دائما في ذات الله، كما ذابت ذواتهم في طاعته، والامثال لجميع أحكامه، فلبستهم التقوى ظاهرا وباطنا، أفرغوا قلوبهم لحبّ الله، فسكن فيها، وبادلهم بحبّ أكبر وأعظم، بأن اصطفاهم وجعلهم مصداق دينه، هؤلاء هم أولياء الله وأحباؤه حقا.  
كان الامام الحسين عليه السلام يدرك صعوبة مهمّته، فيما عزم عليه من محاولة تغيير مجرى الحكومة، من الاستبداد والظلم والفساد، الى وضع يستجيب لأحكام الله في العدل والاحسان، ولا يمكن أن يتحقق ذلك الا بتغييرها، واستبدالها بكفاءة تحقق ذلك الهدف السامي في الاصلاح، بالثورة ذات القيم الاسلامية، التي دعاه اليها أهل الكوفة، ليكون قائدهم فيها، بعدما نقض معاوية عهد أخيه الامام الحسن عليه السلام، انتهى الى تولية ابنه يزيد الفاسق على الأمة.
لكن يتبادرنا سؤال يقول: لماذا استجاب الامام الحسين عليه السلام لأهل الكوفة، وهو يعلم أنهم ليسوا على قلب رجل واحد، وتجربة ابيه وأخيه المريرتين، لا زالتا ماثلتين أمامه؟
وجوابه ان الامام الحسين عليه السلام ما كان ليرفض طلب حق، جاءه من شخصيات يعرفها جيدا، ولها مكانتها وتأثيرها في الكوفة، كانت معدودة من ضمن شيعة أبيه، فكان لزاما عليه أن يهبّ لتخليص هؤلاء من ظلم الأمويين، خصوصا بعدما سعى يزيد بن معاوية، في أوّل توليه السلطة توريثا من أبيه، الى أخذ البيعة من الامام الحسين عليه السلام، الذي يراه البيت الأموي عقبة في وجه استتباب الأمر الحكومة لهم، ومن دون الزامه بالبيعة، يبقى عائقا لسياساتهم الظالمة.
لقد دعا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الامام الحسين عليه السلام الى تلبيته، والخروج الى اولئك الدين عاهدوه على السمع والطاعة، والبيعة لله، فلم يتردد في الاستجابة لدعوات اعتبرته منقذا، وخرج بأهله وولده مهاجرا الى الله، هجرة حق ودعوة صدق، مع أنه كان يعلم يقينا أنه سيخذل، ويكون وحده في مواجهة جبروت وطغيان بني أمية، بتلك القلة القليلة، التي رافقته الى كربلاء.
وهنا تبدو المفارقة العجيبة، التي تعلّقت بالإمام الحسين عليه السلام، الذي نشأ على ثقافة الموت والشهادة، والصبر على بلائهما، وفي بيت اصطفاه الله ليمثّل عبوديّته الحقّة، ويعطي للناس من أفراده أمثلة حق، ونماذج صدق للإسلام المحمدي الأصيل- بهم تشّكلت عناصر هداية الأمة - ومن ازداد قربا من الله، زاده الله بلاء، ليختبر صبره في ذاته.
تلك المفارقة تمثلت، في أنّه عند ولادة الامام الحسين عليه السلام، جاء وحي الله الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليخبره بما سيصيب ابنه من أمّته، فكان خبرا ثقيلا على قلبه صلى الله عليه وآله وسلم، حوّل فرحه بمقدمه، الى حزن كبير، رافقه بقية سنوات حياته، هذه الحالة الطارئة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوق أنّه كان دائم التفكّر، والاشتغال بما يزيد من حسن أدائه التبليغي، لم يذكرها اصحاب السير والتاريخ، فلم ينفذ منها لدى الحفاظ، سوى روايات معدودة، جاءنا فيها ما أثبت ذلك الحزن.
ومن جدّه وأبويه، تعلّم الامام الحسين عليه السلام، كيف يهيئ نفسه ليصبح ذلك الفداء العظيم، الذي قدّمه من أجل الاسلام والاصلاح في الامة، ليكون "مصباح هدى وسفينة نجاة"(7)  لكل من سلك طريق الثورة على الظالمين، على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الموت في سبيل الله عند هؤلاء الاخيار عليهم السلام، بقاء وخلود، والحياة من أجل نيل وطر من الدنيا وحبّا فيها، موت وفناء، وبتعبير الامام علي عليه السلام: "الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين."(8)، وما قيمة المسلم في عيش تحت حكم سلطان جائر، مستبد منتهك لحرم الله؟  كيف يستطيب عيشه تحت سقف الظلم ودولته، وهو يتجرّع غصص القهر والذلّ؟ وفي المقابل، فإن الموت بصدد مقاومة الظالمين، يرى بعقل البصير حياة بقهر الظالم، وعدم الاستجابة له، والبراءة منه على ذلك النّحو العالي من التضحية، وبتعبير الامام الحسين عليه السلام: " إن لم يكن دين محمد لم يستقيم الا بقتلي، فيا سيوف خذيني" (9) 
لقد كانت نظرة الامام الحسين عليه السلام الى العيش تحت سلطان هؤلاء الظالمين، سآمة وضجر، لذلك خيّر الموت على البقاء فيها، باعتباره سعادة له بلقاء ربه:" إني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً." (10)
لقد سطر الإمام الحسين عليه السلام بثورته الإسلامية المباركة، مسيرة الحرّية من عبودية البشر، وظلمهم وجرأتهم على الله، فكانت ملحمة وفائه لله ودينه، كان همّه الأكبر متّجه اليه، منيب له راضيا بما قدّره، ونعم الأجر أجره وأهل بيته عليهم السلام، وأصحابه رضوان الله عليهم.
تعتبر مسيرة الامام الحسين عليه السلام من بدايتها، حتى اكتمال فصولها، مدرسة مثالية للثورة والفداء والصبر والتضحية والشهادة، استلهم منها الأحرار من المسلمين ومن العالم، دروسا في الإيثار بالنفس والنفيس، من اجل صون المبادئ والقيم، فقامت ثورات عديدة قادها سادة من أهل البيت عليهم السلام، انهت طغيان الحكم الأموي، وثورات اخرى زعزعت عرش الاسرة العباسية، ولا يزال الامام الحسين عليه السلام وثورته، مُستلهمَ اتباعه وشيعته، في الانتفاض في وجه الظالمين، والدفاع عن دينهم وحقوقهم.
وهذا قائد الثورة الاسلامية، وصانع انتصارها الامام الخميني رضوان الله عليه، في عديد خطبه وبياناته، الى أبنائه من الشعب الإيراني، والى عشاقه في اصقاع الارض، يصرّح بأن الامام الحسين عليه السلام وثورته، كانا مستلهم الشعب الايراني، لقيامه وانتصاره على نظام الشاه العميل للغرب، والمعادي للإسلام وأهله: "إنّ كل ما لدينا هو من شهر محرم الحرام، وان المجالس التي تقام فيه، انما هي من بركة استشهاد الامام الحسين (ع)، فهذان الشهران حافظا علي الاسلام، بفضل تضحيات سيد الشهداء (ع)، فيجب أن نحافظ علي المآتم التي تقام في هذين الشهرين، اذ أن بقاء الدين تمّ بفضل مراثي و مآتم أهل البيت عليهم السلام ".(11)
ويؤكّد الامام الخميني رضوان الله عليه، على أن واقعة كربلاء ليست متعلقة بمكان أو زمان، وانما يجب أن تعتبر مثالا عظيما، قابلا للتكرار في كل زمان ومكان، كلما وجد ظالم، وعلى احرار تلك الشعوب أن يبادروا الى مقاومته، بكل الوسائل والطرق، حتى لا يكون مصيرهم نفس مصير ذلك الظالم، فيدخلهم الله مدخله، يقول رجل الاصلاح في القرن الماضي:
" ان شعار «كُلُّ يَومٍ عاشُوراء و كُلُّ أَرضٍ كَربَلاء»، يجب أن تتخذه الاسلامية نبراسا لها ، وتنطلق منه الحركات الثورية، في كل يوم أو أرض، لقد كانت واقعة عاشوراء من أجل اقامة العدل، وشاركت فيها فئة قليلة، لكن ايمانها كان كبيرا للغاية، وحبها للمطلق كبير أيضا، لتقف امام الظالمين الذين يقبعون في القصور والمستكبرين الناهبين لأموال الناس، وبالتالي فان الشعار يعني  الوقوف بوجه هؤلاء، و يجب اعتماد ذلك نبراسا للحياة، في كل يوم وفي كل أرض." (12)
وبالتوازي مع مدرسة الشهادة الحسينية، ظهرت فقاقيع اساءة للإمام الحسين عليه السلام عبّر من خلالها المرجفون أتباع الظلمة ومذاهبهم العاطلة، عن انحيازهم الى قاتل الامام الحسين وأهل بيته وأصحابه، واعتبار أن خروجه كان خطأ وخروجا عن وليّ الأمر، وقد استنكر ابن خلدون من قال ذلك في كتابه: " وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكيّ في هذا، فقال في كتابه الّذي سمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه: "إنّ الحسين قتل بشرع جدّه" وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومَن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء."(13)
تعبير اجترأ فيه فقيه السلطان ابن عربي، على سيد شباب أهل الجنة عليه السلام، بمقالة دلّت على سقوط ديني وفكري واخلاقي لهذا الفقيه، وكل من وافقه على رأيه، ولا اعتقد ان المالكية يرضون به فقيها، ولا يقيمون لقوله المسيء لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأهل بيته  عليهم السلام وزنا، ولكل حرّ لا يقبل الاستكانة، والتمشي مع الظالمين لا يرضى بمقالته، ويعتبرها توددا للظالمين، وتعبيرا لهم على انحيازه اليهم في ظلمهم، مقابل متاع قليل.
حيث نرى أنّ أغلبية المسلمين اليوم على دين ملوكهم، حيث لا رأي لهم إلا ما يراه هؤلاء الظالمين، تماما كما أخبرنا القرآن الكريم بشأن فرعون: " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (14) وبذلك يفرّط من اتّبع طريق السلطان الجائر، في الاقتداء بسيد شباب أهل الجنة، فيرضى بحياة الذل والهوان، تحت رحمة الظالمين، لا يحركون ساكنا تجاههم، لتبقى مدرسة كربلاء وملهمها وقائدها الإمام الحسين عليه السلام، بعيدا عن ولاء من قصرت يده عن راية ثورته الملهمة، ليبقى نداءه : "هل من ناصر ينصرنا؟ هل من معين يعيننا؟ هل من ذابّ عن حرم رسول الله صلى الله عليه واله؟" تتلقفها الآذان الواعية، ولا يصل الى الآذان الصمّاء الذليلة الخانعة.
ولو اجتمع المسلمون على الاقتداء بالإمام الحسين عليه السلام، في ثورته ضد فرعون عصره يزيد بن معاوية، لاستأصلت شأفة الظالمين في بلدانهم، وقطع دابرهم في الامة، اما وقد تخلّوا عنه، وتجاهلوا نهضته الاسلامية العادلة، ولم يقيموا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النتيجة أن الهوان لحق بهم اجيالا متعاقبة، ولا مفرّ لهم من حياة الذلّ والتبعية والهوان، بغير اتباع المنهج الحسيني في التغيير.
المراجع:
 1 – المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري كتاب معرفة الصحابة ج 3ص 123 ح 4679و4685/ ينابيع المودة القندوزي الحنفي ج1ص 124 ح56 وج2ص 96ح234/ المعجم الاوسط الطبراني، نقله عنه صاحب ينابيع المودة القندوزي الحنفي ج2ص396
 2 – سورة آل عمران الآية 104
3 – بغت بمعنى أرادت
4 – زُوي مُنع وقُبض عنه
5 – التباذل من البذل وهو تبادل العطاء
6 – نهج البلاغة الامام علي عليه السلام الخطبة رقم 47
7 – بحار الأنوار المجلسي ج36 ص205 وج91 ص184
8 – نهج البلاغة الامام علي ج1 خطبة 51
9 – معالم المدرستين مرتضى العسكري ج3 ص303
10 – اللهوف في قتلى الطفوف السيد ابن طاووس ص 48
11 – مجلة بقية الله السنة الرابعة العدد 46

12 – دوحة الولاية العدد 219 محرم 1438 ه

13 – تاريخ ابن خلدون ج1ص 271

14 – سورة غافر الآية 29




lundi 2 septembre 2019

الامام الحسين عليه السلام والهجرة الى الله



لم يسفر الصلح الذي اضطر إليه الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية، بعد خذلان أصحابه له في حربه، ولم يجد بدّا من النزول عنده، وهو يعلم أنه خدعة، فقد سقط من يديه القرار، ولم يعد له خيار آخر، وهو واقعا اقامة حجة على المتآمرين والمتخاذلين أصحابه من جهة، وعلى البغاة المحاربين له أتباع بني أمية من جهة أخرى، وفي نفس الوقت.
سارع معاوية الى ارسال صحيفة بيضاء عليها ختمه، الى الامام الحسن عليه السلام، موافقا مسبقا على ما سيشترط عليه فيها. (1)
خلاصة ما جاء فيها: تسليم الأمر الى معاوية على شرط ان يعمل بكتاب الله وسنة رسوله.(2)وأن يكون الامر للحسن من بعده.(3) فان حدث به حدث فلأخيه الحسين (4) وليس لمعاوية أن يعهد به الى احد. (5) وأن يترك سبَّ أمير المؤمنين على المنابر، والقنوت عليه بالصلاة.  (6)وأن لا يذكر علياً الا بخير. (7) على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمّنَ الاسود والاحمر، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع احداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة. (8)
 وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن اصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وان لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لاحد منهم بسوء، ويوصل الى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب اصحاب عليّ حيث كانوا. (9)  وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لاحد من أهل بيت رسول اللّه، غائلةً، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أفق من الآفاق. (10)
غير أن معاوية لم يكن في صلحه مع الإمام الحسن سوى مخادع كما فعل من قبل في رفع المصاحف، وما خلّفه من تفرّق أهل الحق عن حقّهم، واجتماع أهل الباطل على باطلهم، وسرعان مأ أظهر طليق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يخفيه من نوايا، فقام بعد دخوله مدينة الكوفة، وعند خطابه بمسجدها التصريح علنا بما كان يخفيه فقال: " أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون؟ ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وألي رقابكم. ثمّ انتهى الى القول: ألا وإنّ كلّ شرط وشيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين." (11)
 هكذا اذا أنهى معاوية الصلح بمجرّد دخوله الكوفة، ثم قام بعد ذلك بمخالفته تماما، وعاش المسلمون الموالون لأهل البيت عليهم السلام من بعده ارهابا أمويا، لم يشهده تاريخ الاسلام مثيلا، وضاقت على هؤلاء الممتحنين الأرض بما رحبت، واشتد الامر خصوصا على أهل الكوفة، بحيث لم يبقى بيت كان ينعم نسبيا بالأمن والاستقرار قبل ذلك، الا أصيب في بعض أهله، ان لم يكن جلّهم، فسجن من سجن، وقتل من قتل، وشرد من شرد، وجلا من الكوفة من أغتنم فرصة للنجاة بنفسه، فهام في الأرض شرقا وغربا، لا يدري الى أي مستقر سينتهي به جلاؤه.
ومع تزايد الإرهاب السلطوي الأموي، وتولي يزيد الفاسق للسلطة، توريثا من بعد أبيه، سعى هذا الأخير الى أخذ البيعة غصبا من الإمام الحسين عليه السلام، فأوعز الى عامله على المدينة، ان يحتال بأخذ البيعة من الإمام الحسين عليه السلام، بأي طريقة كانت، ولو اقتضى الأمر باستعمال القوة.
ومن أجل أن يمر الأمر السلطوي الأموي في كنف السّرّية، دعا والي المدينة الامام الحسين عليه السلام ليلا الى دار الإمارة، وعرض عليه البيعة ليزيد، فرد عليه: " إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ، وَمُخْتَلَفُ المَلائِكَةِ، وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ، بِنا فَتَحَ اللهُ، وَبِنا خَتَمَ، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ، شارِبٌ لِلْخَمْرِ، قاتِلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، مُعْلِنٌ بِالفِسْقِ، وَمِثْلِي لا يُبايِعُ مِثْلَهُ، وَلَكِنْ نُصْبِحُ وَتُصْبِحُونَ، وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُونَ، أَيُّنا أَحَقُّ بِالخِلافَةِ وَالبَيْعَةِ." (12)
علم الإمام الحسين عليه السلام أنه ليس متروكا في مدينة جده، حتى يبايع يزيدا الفاسق أو يقتل، فقرر الخروج من المدينة - تفاديا لمواجهة هناك رآها غير مناسبة - قاصدا مكة في 27 رجب سنة 60 للهجرة، معلّلا خروجه بتعبير شامل، يعتبر منطلق الثّورة الإصلاحية التي بدأها، قائلا: "وإنِّي لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفسِداً ولا ظَالِماً، وإنَّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي صلى الله عليه وآله وسلم، أُريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهَى عنِ المنكر، وأسيرُ بِسيرَةِ جَدِّي، وأبي علي بن أبي طَالِب." (13)
وقبل ان يغادر المدينة ذهب لوداع جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فصلى عنده باكيا، ثم دعا الله مستعبرا فقال: "اللَّهُمَّ هَذا قَبْر نَبيِّك مُحمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنَا ابنُ بنتِ نَبيِّك صلى الله عليه وآله وسلم، وقد حَضَرني مِن الأمرِ مَا قد عَلمت، اللَّهُمَّ إنِّي أحِبُّ المَعروف، وأنكرُ المُنكَر، وأنَا أسألُكَ يَا ذا الجَلال والإكرام، بِحقِّ القبرِ ومن فيه، إلاَّ مَا اختَرْتَ لي مَا هُولَكَ رِضىً، ولِرسولِك صلى الله عليه وآله وسلم رِضَى." (14)
وكان خروجا صائبا، غلبت عليه مصلحة الأمة، في قيادة مؤهّلة للعمل بشعيرة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، بعد أعمال التحريف التي بدأها معاوية، محاولة منه لتغيير معالم الدين وإرغام الناس عليه، وما استتبعه من انتشار الظلم والحيف بحق الأمة، وظهور طبقة مستثرية على حساب عامة الناس، هي على الغالب من الأسرة الحاكمة، وحاشيتها المنتفعة بالولاء لها
وكان وصول الامام الحسين السلام الى مكة في 20 من شهر شعبان، فأقام هناك الى يوم التروية 8 من ذي الحجة، وكان عازما كعادته على أداء مناسك الحج ككل سنة، لكن الطّلب عليه تكاثر، وخشي أن يقع اغتياله في الحرم فخيّر من أجل أن لا يسفك دمه هناك، الخروج من مكة قاصدا الكوفة، بعدما وصلته آلاف الرسائل من زعمائها، تستحثّه فيها على القدوم اليهم، وحتى يهيئ لرحلته أبعادها التبليغيّة، ويمهّد لها أسبابها، قام في أهل مكة والوافدين إليها من الحجيج خطيبا، ومن ضمن ما قاله عليه السلام:

" أيّها الناس إنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: " مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِيرْ عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه، ألاَ وَإنَّ هؤلاءِ قَدْ لزِمُوا طاعَةَ الشَّيطانِ، وَتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمنِ، وَأظْهَرُوا الفَسادَ، وَعَطَّلُوا الحُدُودَ، واسْتَأثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأحَلُّوا حَرامَ اللهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأنا أحقُّ مَنْ غيري لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد أتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وقَدِمَتْ عليّ رُسُلُكُمْ ببَيْعَتِكُمْ؛ أنَّكُمْ لا تُسْلِموُنِي ولا تَخْذُلُوني، فَإنْ تَمَمْتُم عَلى بَيْعَتِكُم تُصِيبُوا رُشْدَكُمْ. (15)

ثم إن الامام الحسين خرج قاصدا كربلاء، وكان وصوله اليها في اليوم الثاني من المحرم سنة 61
من حقّنا هنا أن نتساءل أين هم البقية الباقية ومن الصحابة وأولادهم؟ وأين هم أهل المدينة عامة ؟ لماذا لم ينصروا الامام الحسين عليه السلام في موقفه الصائب، في معارضة مسالة توريث يزيد الفاسق وولايته عليهم، وهم يعلمون قبل غيرهم من هو الامام الحسين عليه السلام، وهو الذي عاش بينهم علما عاليا من أعلام أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؟
ذلك الخذلان المفضوح الذي لقيه الامام الحسين عليه السلام، بصورة أكبر في مكة، سواء من أهلها، كأنهم ورثوا ضغينته من آبائهم وأجدادهم الموتورين، وان عذرنا أهلها بما سكن في قلوبهم من ذلك الحقد الدفين، الذي يحال بينهم وبين واجب نصرة ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإننا لن نعذر حجاج بيت الله الحرام، الذين خيّروا أداء مناسك الحج، على الخروج مع الامام الحسين عليه السلام في ثورته الاصلاحية، لتقويم إعوجاج مسار الحكومة، وإصلاح نظامها، على النحو الذي يتطابق مع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد بيّن الامام الحسين نفسه السبب الرئيسي لخذلان الناس له فقال: " الناس عبيد الدنيا، والدّين لعق على السنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الدّيانون." (16) وهو ما يفسّر لنا أن قضية الاعتقاد والانتماء، ابعد ما تكون لفظا عن الواقع، فلا يجلّيها سوى العمل والبذل والتضحية، ومن كان يعتقد أنه بصلاته وصيامه وزكاته وحجه، قد ربط علاقته مع الله، دون أن يكون مع الحق، في مقارعة الظلم وأهله، مهما بلغ طغيانهم، فهو مخطئ تماما، وعليه أن يراجع نفسه قبل فوات الأوان.
وأعتقد دون شك، أن خروج الامام الحسين عليه السلام، كان في مسعاه أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، خروجا بالحج نفسه الى حيث توجّه هو، فمن احرم مع الحسين عليه السلام في دعوته، وخرج معه في هجرته الى الله، كان كمن طاف بالبيت العتيق، بل واحسن وأجزل عطاء، ومن سعى في خدمة الامام الحسين عليه السلام كان كأفضل مما سعى بين الصفا والمروة، ومن وقف في صف الامام الحسين عليه السلام يوم العشر من المحرّم، كان أفضل ممن بقي للوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة من تلك السنة، ومن رمى مع الحسين عليه السلام بسهم أو برمح، او ضرب بسيف فذلك هو الجهاد في أعلى مراتبه، قد اجتمع فه الفداء مع مودة الأطهار عليهم السلام، فلا رجم رمزيا للشيطان يومها، ويزيد الفاسق شيطان الإنس، يحكم في الأمة بالظلم والعدوان، مستهترا بقيم الاسلام، معلنا الفجور وشرب الخمور، فمن كان يعتقد انه قد ادّى مناسكه في ذلك العام فقد اخطأ الهدف وأضاع الطريق، لقد كان الحج عامها الى كربلاء فقط، فمن وصلها وكان مع الامام الحسين عليه السلام، فأعظم به من حج رمي فيه الشيطان الحقيقي، ومن أجل اسقاطه وخلاص الأمّة منه، نحرت فيه رموز الطّهر وعناوين الوفاء، بأيد أخبث الناس، وسبي فيه العفاف بواسطة أرذل الخلق، تلك هي التضحية الكبرى، وذلك هو الفداء العظيم.
المراجع
1 – تاريخ الطبري ج6ص93 /الكامل ابن الأثير ج3ص 162 
2 – المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج4ص8 / فتح الباري في شرح صحيح البخاري فيما رواه عنه ابن عقيل في النصائح الكافية لمن تولى معاوية ص 156 / بحار الأنوار المجلسي ج10ص115
3 – تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194/ البداية والنهاية ابن كثير ج 8 ص 41/ والإصابة ابن حجر ج 2 ص 12 و13/ الإمامة والسياسة ابن قتيبة ص 150/ دائرة المعارف الاسلامية لفريد وجدي ج 3 ص 443
4 – عمدة الطالب لابن المهنا ص 52
5 – المدائني فيما يرويه عنه في شرح النهج ج 4 ص 8/ بحار الأنوار المجلسي ج 10 ص 115
6 – أعيان الشيعة محسن الأمين ج 4 ص 43
7 – مقاتل الطالبيين أبو الفرج الاصفهاني ص 26/ شرح نهج البلاغة ج 4 ص 15
8 – مقاتل الطالبيين أبو الفرج الاصفهاني ص 26/ ابن أبي الحديد ج 4 ص 15/ بحار الأنوار المجلسي ج 10 ص 101 و115/ الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري ص 200 
9 – تاريخ الطبري ج 6 ص 97/ الكامل ابن الاثير ج 3 ص 166/ مقاتل الطالبيين أبو الفرج الاصفهاني ص 26/ شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج 4 ص 15/ بحار الأنوار المجلسي ج 10 ص 115/ علل الشرائع الصدوق ص81 والنصائح الكافية ص 156 
10 – بحار الأنوار المجلسي ج 10 ص 115/ النصائح الكافية ص 156
11 – شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج 16 ص 15/ مقاتل الطالبيين أبو الفرج الأصفهاني ص 45
12 – الفتوح أحمد بن اعثم الكوفي ج5ص18
13 – بحار الأنوار المجلسي ج 44 ص329
14 – بحار الأنوار المجلسي ج44 ص 328

15 – الكامل في التاريخ ابن الاثير ج3 ص61 / حياة الصحابة محمد بن يوسف الكاندهلوي ج5 ص 123 / بحار الأنوار المجلسي ج44 ص382 / مقتل الحسين الخوارزمي ج1ص 34 /

16 – بحار الأنوار المجلسي ج‏44 ص‏383

 

 

   




  


فضائل ومقامات مشتركة بين الامام الحسين وأهل بيته عليهم السلام




 ونحن على اعتاب عشرة محرّم ذكرى ثورة الامام الحسين عليه السلام، ومحنته التي امضى فصولها بجميل الصبر وشديد المعاناة،  وعظيم التضحية، في مواجهة قوم، لم يبقى لهم من الاسلام سوى لعق على ألسنتهم، إرضاء لطغاة بني أميّة، نرى لزاما علينا أن نتحدث عن الامام الحسين عليه السلام وأهل بيته، بما هو متداول ومتفق عليه لدى جميع المسلمين، ولم يفرّقهم فيه سوى التأويل السلطوي الخاطئ .
هو من الأنوار القدسية التي علّمها الله آدم فتوسّل بها.. ومن الذرّية التي بعضها من بعض من صفوته من خلقه، خرج إلى العالم، وحلّ مباركا ميمونا، في الثالث من شعبان السنة الرابعة للهجرة، بين نبيّ مرسل خاتم صادق أمين صلى الله عليه وآله وسلم، وإمام حقّ مبين عليه السلام، وسيدة طاهرة من خير نساء العالمين عليها السلام، أخذ عنهم معارف الدنيا والدين، ومكارم اخلاق كانت محلّ رعاية وعناية ولطف رب العالمين.
هو الحسين بن علي وفاطمة عليهم السلام، خامس أصحاب الكساء الذين اصطفاهم الله، وأنزل فيهم من القرآن ما أنزل في فضلهم، مرشدا المسلمين الى بيوتهم، دالّا على رفعة شأنهم، وسموّ منزلتهم، وعلوّ مكانتهم عنده . "انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."1 وبيّنهم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه، وأظهرهم في مناسبات هامّة ذكرها المدونون من سيرته:
فعن عائشة قالت: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، غداة َعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا."2
نتساءل هنا لماذا يقطع الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده، بقية الحديث عن عائشة، فيقف عند مرط من شعر اسود؟ الا يعدّ ذلك تحريفا وصرفا للناس عن فحوى الحادثة؟ وما الفائدة من أول الحديث اذا لم يكن متمما ببقيته؟ اسئلة لا تحتاج الى تفكير في الاجابة عليها، وإنما هو تلميح لمن يفهم به .
عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا ﴾ في بيت أم سلمة، دعا فاطمة وحسنا وحسينا، فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا." قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال: " أنت على مكانك وأنت على خير." 3
في هذا الحديث بدا النبي صلى الله عليه وآله وسلم دقيقا، في تحديد من هم أهل بيته الكرام؟ بحيث لم يترك مجالا لتأويل متأوّل – خصوصا وأنّ اثنتان من زوجاته، راويتي الحادثتين المتصلتين بنزول الآية - فحصر مصطلح أهل بيته، في هؤلاء الأبرار الخمسة، بمرط مرحّل، في الأوّل، وبكساء خيبري في الثاني، بحيث قطع السبيل على كل متأوّل أو مشتبه، بتوسعة المصطلح، ليشمل غير هؤلاء، وبالتالي يكرّس توجّها منحرفا، عن مفهوم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أعمّ مما جاء في الرواية، وتبدو إجابة زيد بن أرقم، على ما أخرجه مسلم النيسابوري، حينما سأله سائل: هل من أهل بيته نساؤه؟ فقال: لا  أيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر فيطلقها، فترجع الى ابيها وقومها، أهل بيته أصله، عصبته الذين حُرّموا الصدقة بعده.
من هنا يفهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أن المسألة عرضيّة بلا هدف، وإنّما هي متلّقة بالاصطفاء الالهي، الذي خص به بيوت أنبيائه في كل عصر، هو اختصاص تشريعي، أهّلهم لأن يكونوا حفظة دينه، ومستودعي شريعته، في كل بعثة نبوية،  ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: " إن الله اصطفى ادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض." 4
ويتجلّى دور أهل البيت عليهم السلام من خلال حديث الثقلين، الذي جعلهم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدلا لكتاب الله، وعصمة من الضلال لمن تمسك بهما من أمّته.
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين، واحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي أهل بيتي، ألا وأنهما لن يفارقا حتى يردا علي الحوض. 5
وحتي يتأكّد المقصد من تعيين اهل البيت وحصر عددهم، يأتي حديث الثقلين ليوجّهنا الى حقيقة اصطفائهم، واختيارهم من الأمة الاسلامية، ودورهم في حفظ الاسلام، باعتبارهم ثقلا لكتاب الله ومستودعا لأحكامه وعلومه، وقد ثبت هذا الدّور لهؤلاء الأطهار عليهم السلام، والامام الحسين عليه السلام أحدهم.
قال ابن حجر بخصوص حديث الثقلين: (ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً... وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، ولا تنافي إذ لا مانع أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.)6
هذا الذي وصفه ابن حجر باهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأن العترة الطاهرة هو تأكيد منه على مكانتهم التي أهّلها الله لهم، ومرتبتهم التي رتّبهم فيها، وإن الذي أحصاه في إمام مبين، وجعله وذرّيته أئمة هدى، وسفن نجاة الامة من الضلال، وما حمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على التأكيد مرارا وتكرارا، على التأكيد عليهم والتذكير بهم، هو عظيم قدرهم ورفيع منزلتهم، ودورهم الهامّ في قيادة الامة والسير بها في أمان تامّ من الضلال.
ويتأكد ذلك من خلال تتمّة الحديث من خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم: "لا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم." 7
وفي معرض تناوله لآخر الحديث قال ابن حجر: أنه دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية، والوظائف الدينية، كان مقدماً على غيره.. 8
وقد اظهر ائمة أهل البيت من تلك العلوم والمعارف ما جعلهم مقصد كل سائل وباحث بدء من الامام علي الى آخر عنقود الإمامة الالهية، وشهد لهم بها القاصي والداني، والناس على مرّ تلك الازمنة عيال عليهم، فإن كانوا بذلك القدر من المعرفة والفقه والعلم، مصداقا لحديث الثقلين في وجوب رعايتهما، فإنه من باب أولى ان يكونوا قادة الامة الاسلامية، وليس منقذي عثرتها من الزيغ والضلال ومعلّميها فقط.
وحديث السفينة في معناه، يتطابق مع حديث الثقلين، من حيث كون أهل بيت النبي هم وسيلة نجاة الأمّة من الزيغ والضلال. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها مجا ومن تخلّف عنها غرق.9
وتتظافر الأدلّة عن مفهوم أهل البيت، الذي قصده الوحي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، من خلال بيانه وتوضيحه، كلما سنحت بذلك له فرصة ومناسبة، ففي حادثة وفد نصارى نجران ، حين قدم وفد نصارى نجران الى المدينة، للقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجعلوا يُجادلونه في نبي الله عيسى عليه السلام، محاولين إفحامه بسؤاله، عمن ولد عيسى؟ فنزل عليه امين الوحي جبريل عليه السلام بقوله : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).10
ومع تشدد اساقفة الوفد في عدم قبول أن عيسى بشر، أمره الله بأن يدعوهم الى المباهلة، ومن صباح الغد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه الحسن والحسين ( ابناءنا) وفاطمة (نساءنا) وعلي بن ابي طالب ( انفسنا) وقال: اللهم هؤلاء أهلي. وفي المقابل حضر النصارى بأفضل ما لديهم للمباهلة ، لكنهم تراجعوا عن القيام بذلك، لما استمعوا الى نصيحة أسقفهم، الذي قال لهم لما تراءى له النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته: "إني أرى وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا من مكانه لأزاله لا تباهلوهم فتهلكوا." فاعتذروا منه، وصالحوه على دفع الجزية، فأجابهم الى ذلك.11
اللافت في هذه الآية المسمّاة بآية المباهلة، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن هو الذي اختار من أهل بيته هؤلاء الأطهار الخمسة، لأن مسألة الاصطفاء إلهيّة بحتة، مرتبط أمرها بالله سبحانه، "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة" 12
فحين أمره الله بالمباهلة دعاه الى اخراج ابنيه الحسن والحسين، واستغرب من الذين لا يزالون مصرّين على أنهما ليسا من ابنائه، مع أنه صرح بنفسه أنهم أبناءه، وزادت الآية من تأكيد ذلك، فنسبتهم اليه قطعا لتعذّر من اعتذر، ودعاه الى إخراج ابنته فاطمة في مقام النساء، وهي أفضلية تنسجم تماما، مع كونها سيدة نساء الأمة والعالمين، ولم يُخرج معها إمرأة اخرى، قطعا لأي تداخل في ذلك المقام، وانعداما لأيّ تكافئ في من يمكن ان تضاهيها مكانة، لا من قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من زوجاته أمهات المؤمنين.
المهمّ هنا، وما أراد الوحي إيصاله لنا، أن عليا كان له المقام الأعلى، الذي أشارت إليه الآية بمصطلح أنفسنا، وعليّ تبوّأ فيها مكانة نفس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مما تغافل عنه كثير من المفسرين، هروبا من الاقرار بفضل عليّ عليه السلام، وتميّزه عن غيره، بخصال لم يبلغوا منها شيئا، وهنا يتأكد هذا المقام، بيانا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "أنت مني وأنا منك."13
ولا بأس من التأكيد على حقيقة أهل بيت النبي من أن نذكر أيضا أسباب نزول الآية: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها" سورة طه الآية فقد جاء أن النبي كان يقف عند باب علي وفاطمة، في رواية أنس بن مالك ستة أشهر وفي رواية أبي الحمراء ثمانية أشهر وفي رواية ابن عباس تسعة أشهر فينادي: الصلاة انما يريد الله ليهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم وتطهيرا.14
هو وأهل بيته الذين خصهم الله سبحانه بفريضة مودّتهم على جميع المسلمين، فلم يستثني منهم أحد، ودعاهم على لسان نبيه الى ذلك بقوله: " ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ." 15
عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُل لا أسألُكُم عَليه أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربى  قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجّبت علينا مودتهم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: علي وفاطمة وولداهما.16
من محصّل هذه النصوص، يتبيّن للبصير المقام العالي، والمنزلة الرفيعة، التي بوّأها الله هؤلاء الاطهار، دالّا على عظيم قدرهم، حاثا الأمة على اتباع سبيلهم، الذي يمثّل إسلام سيدهم الأول أبي القاسم محمد، صراط الله المستقيم، الذي إرتضاه لهم ورضيه لأمّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، فمن عرفهم بولايتهم، فقد وفّق الى نهج الحقّ، الذي سلكه أبو البشرية آدم عليه السلام، وتتابع فيه انبياء الله ورسله وصفوته من خلقه عليهم السلام، الى خاتمهم وإمامهم وخيرتهم ومنه الى أهل بيته عليهم السلام، الذين لم يدّخروا جهدا في حفظ الدين وأحكامه وآدابه.
السؤوال المطروح هو الآتي: هل فهمت الأمة الإسلامية حقيقة أهل بيت نبيها؟ وهل استوعبت ما يجب عليها أن تقوم به تجاه هؤلاء، الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟ والى متى سيبقى تعاملها معهم سلبيا باهتا، لم يجسّد شيئا من الواجب تجاههم؟ شعيرة بقيت تنتظر من يقوم بها أجرا للرسالة التي بلّغنا اياها سيدهم صلى الله عليه وآله وسلم، فأين أولو الألباب يا ترى؟
المصادر
1 – سورة الأحزاب الآية 33
2 – صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل البيت ج7ص130/
3 – مسند أحمد مسند النساء حديث ام سلمة ج44ص118ح 26508 / سنن الترمذي ابواب تفسير القران باب ومن سورة الاحزاب  ج 5 ص 30 ح 3205/ وأبواب المناقب  باب مناقب اهل البيت ج6- ص 126ح3787 / المستدرك للحاكم النيسابوري ج 2 ص 416 و ج 3 ص 146 .
4 – سورة ال عمران الآية 33
5 – مسند أحمد مسند ابي سعيد ج18ص114 ح 11561
6 - الطبراني في المعجم الكبير ج5ص166 حديث 4971 
7 – الصواعق المحرقة ابن حجر الهيثمي ج 2ص440
8 - الصواعق المحرقة ابن حجر الهيثمي ص 229
9 - كنز العمال المتّقي الهندي ج 16 ص 196ح 43163 وح 44216 و34151 و34570 و 34169
10 - سورة آل عمران الآيات 59-61
11 - تفسير ابن كثير ج2ص49/ تفسير السعدي ج1ص968 الآية في سورة آل عمران
12 - سورة القصص الآية 68
13 – جامع احاديث البخاري كتاب فضائل اصحاب النبي  باب مناقب علي بن ابي طالب
14 – تفسير الطبري ج  22 ص 5 ـ 7 / الدر المنثور السيوطي ج 5ص198 ـ 199.سنن الترمذي ابواب تفسير القران ج5ص263ح3206 /تفسير القرطبي ج11ص 173 /
15 – سورة الشورى الآية 23
16 – الدرّ المنثور السيوطي ج 6 ص 7 / فضائل الصحابة | أحمد بن حنبل ج 2 ص 669 ح 1141/ المستدرك على الصحيحين الحاكم ج 3 ص 172 / وشواهد التنزيل الحسكاني ج 2 ص 130 / الصواعق المحرقة ابن حجر الهيثمي ص 170/ تفسير الرازي ج 27 ص 166/ ومجمع الزوائد الهيثمي ج 9 ص 168/ الكشاف  الزمخشري ج 4 ص 219 / وذخائر العقبى المحب الطبري ص 25