jeudi 5 septembre 2019

الثورة الحسينية مدرسة مقارعة الظلم



بقلم محمد الرصافي المقداد
سلك الامام علي عليه السلام وذريته الطاهرين طوال حياتهم نهجا اصلاحيا، وكان هدفهم في كل حركة قاموا بها، سلمية كانت أم عسكرية الاصلاح في الامة، فما كان يقتضيه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر باللسان، قاموا به بكل ما أتاهم الله من بيان ومنطق وحكمة، ولم يهادنوا فيه أحدا من الناس مهما كانت سلطته، امتثالا لأمر الله في الإصلاح.
نعم لقد كانت أغلب وصايا الإمام علي عليه السلام التي وصلتنا، على ذلك النّحو من الدعوة إلى الإصلاح، قرآنية في دعوتها، كما قال بشأنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "علي مع القرآن والقرآن مع علي" (1) لم تختلف في شيء منه، مصداق قوله تعالى:" ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون." (2)
وكان من بين وصاياه عليه السلام، لإبنيه الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام، في آخر عهده وهو يجود بنفسه:" أوصيكما بتقوى الله، وأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُم(3)، وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ (4( عَنْكُمَا، وَقُولاَ بِالْحَقِّ، وَاعْمَلاَ لِلْأجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ  عَوْناً. أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: "صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ والصّيام ... وَاللهَ اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُل(5) وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ .لاَ تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ." (6)
ولم يحد أولاده الائمة الهداة عليهم السلام عن نهجه قيد أنملة، وسِيرهم كلها متطابقة في الأداء، من أجل تقديم الإفادة والعون للأمة، وإصلاح شأنها، وقوام دينها، فلم يبخلوا عليها بنصح، يزيل عنها الحيرة، ويرفع عنها سوء التقدير والتدبير، ولا اعتزلوا مجتمعهم بعد غصب حقوقهم، غضبا لأنفسهم، وإنما كان غضبهم دائما في ذات الله، كما ذابت ذواتهم في طاعته، والامثال لجميع أحكامه، فلبستهم التقوى ظاهرا وباطنا، أفرغوا قلوبهم لحبّ الله، فسكن فيها، وبادلهم بحبّ أكبر وأعظم، بأن اصطفاهم وجعلهم مصداق دينه، هؤلاء هم أولياء الله وأحباؤه حقا.  
كان الامام الحسين عليه السلام يدرك صعوبة مهمّته، فيما عزم عليه من محاولة تغيير مجرى الحكومة، من الاستبداد والظلم والفساد، الى وضع يستجيب لأحكام الله في العدل والاحسان، ولا يمكن أن يتحقق ذلك الا بتغييرها، واستبدالها بكفاءة تحقق ذلك الهدف السامي في الاصلاح، بالثورة ذات القيم الاسلامية، التي دعاه اليها أهل الكوفة، ليكون قائدهم فيها، بعدما نقض معاوية عهد أخيه الامام الحسن عليه السلام، انتهى الى تولية ابنه يزيد الفاسق على الأمة.
لكن يتبادرنا سؤال يقول: لماذا استجاب الامام الحسين عليه السلام لأهل الكوفة، وهو يعلم أنهم ليسوا على قلب رجل واحد، وتجربة ابيه وأخيه المريرتين، لا زالتا ماثلتين أمامه؟
وجوابه ان الامام الحسين عليه السلام ما كان ليرفض طلب حق، جاءه من شخصيات يعرفها جيدا، ولها مكانتها وتأثيرها في الكوفة، كانت معدودة من ضمن شيعة أبيه، فكان لزاما عليه أن يهبّ لتخليص هؤلاء من ظلم الأمويين، خصوصا بعدما سعى يزيد بن معاوية، في أوّل توليه السلطة توريثا من أبيه، الى أخذ البيعة من الامام الحسين عليه السلام، الذي يراه البيت الأموي عقبة في وجه استتباب الأمر الحكومة لهم، ومن دون الزامه بالبيعة، يبقى عائقا لسياساتهم الظالمة.
لقد دعا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الامام الحسين عليه السلام الى تلبيته، والخروج الى اولئك الدين عاهدوه على السمع والطاعة، والبيعة لله، فلم يتردد في الاستجابة لدعوات اعتبرته منقذا، وخرج بأهله وولده مهاجرا الى الله، هجرة حق ودعوة صدق، مع أنه كان يعلم يقينا أنه سيخذل، ويكون وحده في مواجهة جبروت وطغيان بني أمية، بتلك القلة القليلة، التي رافقته الى كربلاء.
وهنا تبدو المفارقة العجيبة، التي تعلّقت بالإمام الحسين عليه السلام، الذي نشأ على ثقافة الموت والشهادة، والصبر على بلائهما، وفي بيت اصطفاه الله ليمثّل عبوديّته الحقّة، ويعطي للناس من أفراده أمثلة حق، ونماذج صدق للإسلام المحمدي الأصيل- بهم تشّكلت عناصر هداية الأمة - ومن ازداد قربا من الله، زاده الله بلاء، ليختبر صبره في ذاته.
تلك المفارقة تمثلت، في أنّه عند ولادة الامام الحسين عليه السلام، جاء وحي الله الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليخبره بما سيصيب ابنه من أمّته، فكان خبرا ثقيلا على قلبه صلى الله عليه وآله وسلم، حوّل فرحه بمقدمه، الى حزن كبير، رافقه بقية سنوات حياته، هذه الحالة الطارئة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوق أنّه كان دائم التفكّر، والاشتغال بما يزيد من حسن أدائه التبليغي، لم يذكرها اصحاب السير والتاريخ، فلم ينفذ منها لدى الحفاظ، سوى روايات معدودة، جاءنا فيها ما أثبت ذلك الحزن.
ومن جدّه وأبويه، تعلّم الامام الحسين عليه السلام، كيف يهيئ نفسه ليصبح ذلك الفداء العظيم، الذي قدّمه من أجل الاسلام والاصلاح في الامة، ليكون "مصباح هدى وسفينة نجاة"(7)  لكل من سلك طريق الثورة على الظالمين، على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الموت في سبيل الله عند هؤلاء الاخيار عليهم السلام، بقاء وخلود، والحياة من أجل نيل وطر من الدنيا وحبّا فيها، موت وفناء، وبتعبير الامام علي عليه السلام: "الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين."(8)، وما قيمة المسلم في عيش تحت حكم سلطان جائر، مستبد منتهك لحرم الله؟  كيف يستطيب عيشه تحت سقف الظلم ودولته، وهو يتجرّع غصص القهر والذلّ؟ وفي المقابل، فإن الموت بصدد مقاومة الظالمين، يرى بعقل البصير حياة بقهر الظالم، وعدم الاستجابة له، والبراءة منه على ذلك النّحو العالي من التضحية، وبتعبير الامام الحسين عليه السلام: " إن لم يكن دين محمد لم يستقيم الا بقتلي، فيا سيوف خذيني" (9) 
لقد كانت نظرة الامام الحسين عليه السلام الى العيش تحت سلطان هؤلاء الظالمين، سآمة وضجر، لذلك خيّر الموت على البقاء فيها، باعتباره سعادة له بلقاء ربه:" إني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً." (10)
لقد سطر الإمام الحسين عليه السلام بثورته الإسلامية المباركة، مسيرة الحرّية من عبودية البشر، وظلمهم وجرأتهم على الله، فكانت ملحمة وفائه لله ودينه، كان همّه الأكبر متّجه اليه، منيب له راضيا بما قدّره، ونعم الأجر أجره وأهل بيته عليهم السلام، وأصحابه رضوان الله عليهم.
تعتبر مسيرة الامام الحسين عليه السلام من بدايتها، حتى اكتمال فصولها، مدرسة مثالية للثورة والفداء والصبر والتضحية والشهادة، استلهم منها الأحرار من المسلمين ومن العالم، دروسا في الإيثار بالنفس والنفيس، من اجل صون المبادئ والقيم، فقامت ثورات عديدة قادها سادة من أهل البيت عليهم السلام، انهت طغيان الحكم الأموي، وثورات اخرى زعزعت عرش الاسرة العباسية، ولا يزال الامام الحسين عليه السلام وثورته، مُستلهمَ اتباعه وشيعته، في الانتفاض في وجه الظالمين، والدفاع عن دينهم وحقوقهم.
وهذا قائد الثورة الاسلامية، وصانع انتصارها الامام الخميني رضوان الله عليه، في عديد خطبه وبياناته، الى أبنائه من الشعب الإيراني، والى عشاقه في اصقاع الارض، يصرّح بأن الامام الحسين عليه السلام وثورته، كانا مستلهم الشعب الايراني، لقيامه وانتصاره على نظام الشاه العميل للغرب، والمعادي للإسلام وأهله: "إنّ كل ما لدينا هو من شهر محرم الحرام، وان المجالس التي تقام فيه، انما هي من بركة استشهاد الامام الحسين (ع)، فهذان الشهران حافظا علي الاسلام، بفضل تضحيات سيد الشهداء (ع)، فيجب أن نحافظ علي المآتم التي تقام في هذين الشهرين، اذ أن بقاء الدين تمّ بفضل مراثي و مآتم أهل البيت عليهم السلام ".(11)
ويؤكّد الامام الخميني رضوان الله عليه، على أن واقعة كربلاء ليست متعلقة بمكان أو زمان، وانما يجب أن تعتبر مثالا عظيما، قابلا للتكرار في كل زمان ومكان، كلما وجد ظالم، وعلى احرار تلك الشعوب أن يبادروا الى مقاومته، بكل الوسائل والطرق، حتى لا يكون مصيرهم نفس مصير ذلك الظالم، فيدخلهم الله مدخله، يقول رجل الاصلاح في القرن الماضي:
" ان شعار «كُلُّ يَومٍ عاشُوراء و كُلُّ أَرضٍ كَربَلاء»، يجب أن تتخذه الاسلامية نبراسا لها ، وتنطلق منه الحركات الثورية، في كل يوم أو أرض، لقد كانت واقعة عاشوراء من أجل اقامة العدل، وشاركت فيها فئة قليلة، لكن ايمانها كان كبيرا للغاية، وحبها للمطلق كبير أيضا، لتقف امام الظالمين الذين يقبعون في القصور والمستكبرين الناهبين لأموال الناس، وبالتالي فان الشعار يعني  الوقوف بوجه هؤلاء، و يجب اعتماد ذلك نبراسا للحياة، في كل يوم وفي كل أرض." (12)
وبالتوازي مع مدرسة الشهادة الحسينية، ظهرت فقاقيع اساءة للإمام الحسين عليه السلام عبّر من خلالها المرجفون أتباع الظلمة ومذاهبهم العاطلة، عن انحيازهم الى قاتل الامام الحسين وأهل بيته وأصحابه، واعتبار أن خروجه كان خطأ وخروجا عن وليّ الأمر، وقد استنكر ابن خلدون من قال ذلك في كتابه: " وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكيّ في هذا، فقال في كتابه الّذي سمّاه بالعواصم والقواصم ما معناه: "إنّ الحسين قتل بشرع جدّه" وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومَن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء."(13)
تعبير اجترأ فيه فقيه السلطان ابن عربي، على سيد شباب أهل الجنة عليه السلام، بمقالة دلّت على سقوط ديني وفكري واخلاقي لهذا الفقيه، وكل من وافقه على رأيه، ولا اعتقد ان المالكية يرضون به فقيها، ولا يقيمون لقوله المسيء لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولأهل بيته  عليهم السلام وزنا، ولكل حرّ لا يقبل الاستكانة، والتمشي مع الظالمين لا يرضى بمقالته، ويعتبرها توددا للظالمين، وتعبيرا لهم على انحيازه اليهم في ظلمهم، مقابل متاع قليل.
حيث نرى أنّ أغلبية المسلمين اليوم على دين ملوكهم، حيث لا رأي لهم إلا ما يراه هؤلاء الظالمين، تماما كما أخبرنا القرآن الكريم بشأن فرعون: " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (14) وبذلك يفرّط من اتّبع طريق السلطان الجائر، في الاقتداء بسيد شباب أهل الجنة، فيرضى بحياة الذل والهوان، تحت رحمة الظالمين، لا يحركون ساكنا تجاههم، لتبقى مدرسة كربلاء وملهمها وقائدها الإمام الحسين عليه السلام، بعيدا عن ولاء من قصرت يده عن راية ثورته الملهمة، ليبقى نداءه : "هل من ناصر ينصرنا؟ هل من معين يعيننا؟ هل من ذابّ عن حرم رسول الله صلى الله عليه واله؟" تتلقفها الآذان الواعية، ولا يصل الى الآذان الصمّاء الذليلة الخانعة.
ولو اجتمع المسلمون على الاقتداء بالإمام الحسين عليه السلام، في ثورته ضد فرعون عصره يزيد بن معاوية، لاستأصلت شأفة الظالمين في بلدانهم، وقطع دابرهم في الامة، اما وقد تخلّوا عنه، وتجاهلوا نهضته الاسلامية العادلة، ولم يقيموا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النتيجة أن الهوان لحق بهم اجيالا متعاقبة، ولا مفرّ لهم من حياة الذلّ والتبعية والهوان، بغير اتباع المنهج الحسيني في التغيير.
المراجع:
 1 – المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري كتاب معرفة الصحابة ج 3ص 123 ح 4679و4685/ ينابيع المودة القندوزي الحنفي ج1ص 124 ح56 وج2ص 96ح234/ المعجم الاوسط الطبراني، نقله عنه صاحب ينابيع المودة القندوزي الحنفي ج2ص396
 2 – سورة آل عمران الآية 104
3 – بغت بمعنى أرادت
4 – زُوي مُنع وقُبض عنه
5 – التباذل من البذل وهو تبادل العطاء
6 – نهج البلاغة الامام علي عليه السلام الخطبة رقم 47
7 – بحار الأنوار المجلسي ج36 ص205 وج91 ص184
8 – نهج البلاغة الامام علي ج1 خطبة 51
9 – معالم المدرستين مرتضى العسكري ج3 ص303
10 – اللهوف في قتلى الطفوف السيد ابن طاووس ص 48
11 – مجلة بقية الله السنة الرابعة العدد 46

12 – دوحة الولاية العدد 219 محرم 1438 ه

13 – تاريخ ابن خلدون ج1ص 271

14 – سورة غافر الآية 29




Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire