mercredi 6 novembre 2019

ما هكذا يكون ردّ الجميل يا عراق



بقلم: محمد الرصافي المقداد
إن من أجلى مظاهر مكارم الأخلاق شكر النعم، وهو من الأدبيات الدّنيا للمنعَم على المنعِم، على المستوى الانساني البسيط، المجرّد من كمال القيم ورفعة مكارم الاخلاق، والانسان في حدّه القيمي الأدنى المتوقّع منه، شاكرا لمن ينعم عليه، ولما جاء الاسلام بمبادئه، ظهر في صورته النبوية الرائعة، عالي المضامين، رفيعا الى المستوى الذي وصف فيه الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، بأنه على خلق عظيم، وكانت بعثته كلها تجسيدا للأخلاق الرفيعة، واستكمالا لمكارمها، لتكون للناس نموذجا ومقياسا.
شكر النعمة لمن أسداها، لا يجب أن يحجب النطق بها، أو ظهورها علنا من طرف المنعم عليه شيء، وهي أدنى تعابير الامتنان، الذي يجب أن يقال بحق صاحبها، ومن دون ذلك، يصبح المنعم عليه جاحدا للنعمة وقليل مروءة.
أما التنكّر للمنعم فمن الرذائل التي يعرف بها خبثاء البطائن وقرناء السوء وتبّع الشيطان، من ذوي الأصول الساقطة في وحل اللؤم وخباثة الأصل، والمقابلون الحسنة بالسيئة والنعمة بالنقمة، من الهمج الذين قال بحقهم المولى سبحانه وتعالى: " أم تحسب أنّ اكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا." سورة الفرقان الآية 44
ما ظهر لنا في لبنان والعراق، من تهافت عناصر لبنانية وعراقية، تجنّدت في شكل تجمعات جماهيرية ومطلبية، من أجل تشويه ايران والمقاومة الاسلامية، واتهامها بأنها سبب مشاكلهم الداخلية، يؤكد لنا عدم براءة تلك التجمعات فيما دعت إليه كذبا، ورفعت شعاراته بهتانا وإفكا مبينا، لا عفوية في تنظيمها وانطلاقها، وتزامنها في البلدين العربيين، يغلّب فرضية وقوف اعداء ايران والمقاومة، والبلدين العراقي واللبناني معا، وراء اقامتها والحثّ عليها ودعمها ماليا واعلاميا، بما يمكنها من الاستمرار وبلوغ الهدف منها، وغير خاف على ذوي الألباب،  ان الهدف هو فرض قطيعة شعبية مع ايران، يتبعه نزع سلاح المقاومة، هدف يتيم يسعى اليه اعداء شرفاء الأمة رافعي راية عزتها ( ايران والمقاومة الاسلامية)، وهما أمريكا والكيان الصهيوني، وعملاؤهم في البلدين والمنطقة.
الدّعوة الى نزع سلاح المقاومة بدأ بلبنان، وانتهت عدواه الخبيثة الى العراق،  ولئن باءت دعواته وحركاته بالفشل الذريع في لبنان، بسبب ان حزب الله اللبناني، نجح في تشكيل حاضنة شعبية قوية جدا ثابتة تحيط به، اجتهدت القوى الداخلية  العميلة المعادية له في أن تنجح في مؤامرات نزع سلاحه فلم تتمكن، من تحقيق شيء يستحق الذكر، بإمكانه نزع سلاح من حرر الأرض وحمى العرض، ومن ثمّ فسح المجال أمام الأعداء -  أمريكا واسرائيل -لتصفية قادة المقاومة، وتفكيك تنظيمها، بعد استنفاد الطرق الرسمية والدبلوماسية، بالتهديد والترغيب، ولم يبقى من سبيل لمحاولة بلوغ الغاية، سوى استغلال اي فرصة، تتاح للمتربصين بالمقاومة، فكان الحراك المطلبي الشعبي، الذي اتخذ منه عملاء لبنان مطيّة لركوبه، والدعوة من خلاله  مجددا للمطالبة بنزع سلاح المقاومة.
أما بالنسبة للعراق، فإن حاضنة الحشد الشعبي قد بدت ضعيفة جدا، لم تتمكن من حمايته، وهو الذي تملك شرعية دينية وقانونية كبيرة، بفضل فتوى المرجعية في تأسيسه، مع ما ملكه من رصيد نضالي كبير ومشرّف جدا، مكنه من كسر شوكة داعش، وإنهاء سيطرتها على المحافظات الغربية، بعدما بسط ارهابها سيطرته عليها بسرعة، بتأمر وتورط من أهالي تلك المناطق، وقد كانت قاب قوسين أو ادنى من دخول بغداد، حشد اعتمد قانونيا بعد ذلك، ليكون رافدا للجيش العراقي، وسندا لقواه العسكرية في الدفاع عن استقلال العراق وحرمة اراضيه، من اي معتد تحدثه نفسه المساس بأمنه.
العراقيون المنتفضون على اوضاعهم المعيشية، لم يرعوا أيّ حرمة لهؤلاء الوطنيين وتضحياتهم، فداسوا عليها بتصرفات غريبة فاجأت العالم، وكشفت هشاشة حصانة قواعدهم الشعبية وسهولة التلاعب بها، وتحويلها من اطارها الايجابي المشروع، الى اطار مغاير تماما، برهن على أن الحراك الشعبي في العراق، ركبته قوى داخلية وخارجية، لا تريد له استقرارا ولا علاجا لمطالبه الاستحقاقية، وإنما انصبّ جلّ همّها على اطلاق شعارات معادية لإيران، ومحاولة الاعتداء على بعثاتها الدبلوماسية.
إيران ليست ضحية اليوم، فيما رميت به من دعايات مغرضة، وهي إن كانت تتوقع من اعدائها أكبر مما اقترفوه بحقها، فمحتاطة لكل مؤامرات الغرب والصهيونية، ومتحصّنة من ابواب فتنته التي فتحها عليها، بفضل وعي شعبها وفطنة قادتها، وقد تمكنت من احباطها جميعا والخروج منها اقوى في كل مرة.
ماذا لو طالبت ايران الاسلامية الآن باستخلاص تعويضات الحرب العدوانية، التي شنها عليه العراقيون زمن صدّام؟ فكيف يسكون حال هؤلاء التعساء الذين ينادون ايران بره بره؟ ولماذا يسكت هؤلاء البله على وجود القوات الامريكية، وانتهاك القوات التركية لشمال اراضيه كل مرة، دون أن يرافع لهم صوت تنديد؟ ولماذا يحاولون الصاق فساد ساستهم بإيران، مع أنها من أشدّ الدول محاربة للفساد، ولا مهادنة لها مع اصحابه؟ أعتقد ان الاجابة يفتقدها هؤلاء الأشقياء.
حماقة الفئة الضالة والمغرر بها من الشعب العراقي، اعمته عن واقعه لتذهب به بعيدا عنه، فتنسب فساد ساسته الى ايران، كأنما هي التي انتخبتهم واعطتهم حقّ التلاعب بمستقبله، ودفعت شرذمة منهم، الى الاساءة الى معلّقات رموز الثورة الاسلامية في ايران، وفي مقدمتها صور الامام الخميني رضوان الله عليه، وشهداء العراق، وهي أعمال خسيسة دلّت بوضوح، على أنها مدفوعة الأجر، من طرف قوى أجنبيّة خارجية، نفذتها بأيد أحفاد فلول حزب البعث المجرم، وتبّع أهل الضلال كاتباع الصّرخي والكويطع.   
وفيما عبّر يحي السنوار، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اليوم عن شكره لإيران الاسلامية، على ما قدمته للمقاومة الفلسطينية من أموال واسلحة وخبرات، عبر شرذمة من العراقيين في نفس اليوم، عن وضاعة أصل وخسة ولؤم كبيرين تجاه ايران، وما قدمته من أجل المساهمة في انقاذ العراق من داعش، وإن كان دأب ايران منذ انتصار ثورتها، تقديم العون والمساعدة لمظلومي الأمة في مواجهة ظالميهم، رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها سابقا وتمر بها اليوم فلم تغيّر من استراتيجيّتها، وبقيت على عهد قائد ثورتها متحمّلة أعباء ذلك الخيار النّبيل.
إيران سلمان المحمّدي، وايران الامام الخميني رضوان الله عليهما، بشارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، دائبة في مسيرتها نحو العزة، والتمهيد لصاحب العصر والزمان، الامام المهدي عجّل الله ظهوره المبارك، والعراق بفلوله الفتنويّة، ماض في طريق الخضوع لقوى الاستكبار وتنفيذ رغباتهم، أولئك بانضباطهم وكرمهم، وهؤلاء بلؤمهم وتنكّرهم، وكلّ إناء بما فيه ينضح .

lundi 4 novembre 2019

بصمات أمريكية صهيونية في العراق ولبنان



بقلم: محمد الرصافي المقداد
لأن تصفية جبهة المقاومة الاسلامية، يجب أن تتم بكل سبيل يمكن لأمريكا وعملاءها المضيّ فيه، فإن ما يحصل هذه الأيام في لبنان والعراق يستهدف المقاومة، بكل رموزها وهياكلها وتاريخها دفع شرائح معينة من الشعبين، للإنخراط في دوامة فوضى لا حدود لها، من أجل تحقيق هدف محوها من الوجود تماما، ومن ذاكرة الشعبين اللبناني والعراقي، وهذا الهدف وإن كان صعب المنال، بل هو مستحيل عمليا، الا انه أصبح ممكنا في العراق هذه الأيام، نظرا للفارق الكبير والبون الشاسع بين البلدين والشعبين، ففي لبنان اين يتمركز حزب الله بحاضنة شعبية كبيرة جدا تجمع حولها المسلمين الشيعة وقسم من السنة وقسم من المسيحيين والدروز والعلويين، قد تأكدوا بما لا يدع أحدا منهم مجالا للشك في مصداقية الحزب، وحسن أدائه في محاربة العدو الصهيوني وطرده من لبنان، ومكافحة الارهاب التكفيري المتمثل في الجماعات الوهابية التي غزت لبنان، واجلاء من بقي منهم الى خارج البلاد، فضلا هم الثقافة الاسلامية الثورية الأصيلة التي تسلح بها أنصاره، وجعلوها حظهم من العمل في مجال الاسلام المحمدي الأصيل.
ان مدى وعي الشعب اللبناني، يختلف تماما عن الشعب العراقي، بدليل أن ما عنونه الاغبياء بالثورة في لبنان، سرعان ما تآكلت شعاراته، ولم يعد لها مبرر حقيقي للاستمرار، مع أنها لم تتمكن من اجتياز أي خط أحمر يخص المقاومة، بل انها لم تجرؤ على ذلك لما لا يخفى، من الانضباط والوعي، الذي اكتسبته الحاضنة الشعبية للمقاومة في لبنان، وخرج الحزب وأنصاره دون أن يمسّهم سوء، من شطحات دلّت على من وقف وراها .
أما ما عنونه الاغبياء في العراق، فقد انطلى على من انساق وراء دعاياته، والتي تركزت على المساس من رموز التشيع، وفي مقدمتهم المرجعية المقدّسة، وإيران الاسلامية والمقاومة المتمثلة في الحشد الشعبي، الذي سقط منه شهداء ابرياء، قتلهم بإصرار ودم بارد رعاع لا يملكون من الانسانية شيئا فضلا عن دين، برهنت جرائمهم واثبتت فلولهم المتوحشة، أنهم منخرطون في مؤامرة، لا اعتقد أن احرار العراق سيبقون متفرجين عليها، دون أن يكون لهم منها مواقف شرف وإباء.
تتواصل اذا محاولات أمريكا في بث الفوضى مستهدفة دولا بعينها، فالعراق الذي عانى من اجرام حزب البعث وصدامه سنين طويلة ولم يتمكن من التخلص من دابّته السوداء، الا بتدخل امريكي غربي، لم يكن في حقيقته سوى مقدّمة لمرحلة ثانية من اطلاق الفاسدين وتشجيعهم على مواصلة العبث بمقدّرات العراق، ثم انشاء شبكة مشرفة ومسيرة للفوضى بعنوان الثورة على الفساد، بإلقاء تبعاته على ايران وشرفاء العراق من المقاومة.
ما تسعى الماسونية العالمية الى تحقيقه في بلادنا العربية، لم يعد خافيا على العارفين بأهداف هذا التنظيم الصهيوني، الخطير على ديننا وقيمنا، وما حققته من قبل باستدراج شخصيات عربية واسلامية الى عضوية محفلها، يكفينا للدلالة على تمكنها من التغلغل في اوساط كبار مسؤولي بلداننا، تحت مسميات وعناوين مموّهة  
 وقد نكشف وجه خبيث من الحراك الشعبي العراقي، عندما يغرّد الرئيس الامريكي ترامب على (تويتر) فرحا بما جرى امام مبنى القنصلية الاسلامية الإيرانية بكربلاء، واعاد التغريد على نفس الاعتداء، كأنّه يقول هذه بتلك، وأين هذه من تلك؟ إن هو الا حمق درج عليه الرئيس الأمريكي.  
تزامن الاعتداء على مبنى القنصلية الايرانية، بتاريخ ذكرى اقتحام الطّلبة الثوريين الايرانيين لمبنى السفارة الأمريكية، يوم4/11/1979، يؤكد على أن العملية أمريكية، نفذتها اياد عميلة لأمريكا، ومعادية لإيران وللعلاقة الأخوية بين البلدين، والتي بلغت اعلى مستوياتها بمحاربة الارهاب التكفيري المتمثل بداعش، وقطع دابره من العراق. 

وعبّر وزير خارجية كيان الاحتلال الاسرائيلي (كاتس) في تغريدة له على حسابه على (تويتر) بالقول: نتعاطف مع نضال الشعب العراقي، من أجل الحرية والحياة الكريمة، ونستنكر بشدة أعمال القمع والقتل ضد المتظاهرين.

وتتوضح لنا من خلال التغريدات المشار اليها، ابعاد ما تسعى كل من الادارة الامريكية، وحكومة الكيان الصهيوني الوصول اليه، من الحاق أكبر نسبة ممكنة من العداء للنظام الاسلامي في ايران، بأي طريق أو شكل كان، مما يدفعنا الى القول بأن ما قامت به أمريكا والكيان الصهيوني وعملاؤهم في المنطقة افرادا وحكومات، كان الركوب على تظاهرات المطالب الشعبية المحقّة، وتوجيهها سياسيا نحو مطالب، لا علاقة بها بالأزمة الاجتماعية والاقتصادية للبلدين، تستهدف اساسا محور المقاومة رافعة شعارات خبيثة، تطالب نزع سلاحه.

لقد كان من باب أولى لمن رفع شعار ايران بره بره، أن ينادي أمريكا بره بره، أو يقلع عن انتخاب الفاسدين من مسؤولي بلاده، حتى ينصلح حالها، ومن العيب حقا أن يطالب هؤلاء المتصايحون بشيء غير واقعي، ويتناسون واقعهم الذي يدعوهم الى المطالبة بإجلاء القوات الامريكية، التي تتواجد الآن على الاراضي العراقية وفي قواعدها، دون موجب قانوني.     



lundi 28 octobre 2019

إذا لم نحفظ مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمقام من نحفظ؟



بقلم: محمد الرصافي المقداد
في مثل هذا اليوم من أواخر شهر صفر، سنة 11 من الهجرة النبوية، سجل التاريخ الاسلامي حادثة محزنة لقلوب المؤمنين، تمثلت في ارتقاء روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى بارئها، مثقلة بالهم والغم، وهو الحرص كل الحرص على أمته، رؤوف رحيم بهم، كما أخبرت عنه الآية الكريمة: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " (1)
نبيّنا العظيم صلى الله عليه وآله وسلم في مقامه الرفيع، بجميع ملكاته الروحية والجسدية، اصطفاه الله سبحانه وعظّم خلقه، بما لم يصف به غيره فقال: " وانك لعلى خلق عظيم " (2)
وجعله صلى الله عليه وآله وسلم مع رسالته الخاتمة، رسالة الاسلام مصدرا لرحمته فقال: " وما أرسلناك الا رحمة للعالمين" (3)
غير أن حرصه عليهم قابله فريق من الأمّة اكثر من مرة، باستخفاف واستهتار بشخصه، خلافا لما نص عليه البارئ تعالى في محكم تنزيله، على طاعته ولزوم طريقته وانتهاج سبيله، وجعل طاعة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم طاعته، ومعصيته صلى الله عليه وآله وسلم معصيته، بلا فرق أبدا.
 قال تعالى: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا." (4)
وجعل تلك الطاعة بابا من أبواب رحمته، وسببا مهمّا من أسباب رأفته، ولطفه بالمطيعين له، فقال: " اطيعوا الرسول لعلكم ترحمون" (5)
 ودعا من كان ينشد محبته، ويبحث عن قربه ورضوانه، الى اتباع نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ذنوبكم " (6)
ودعاهم الى الامتثال لأمره والأخذ بما به، دون تردد أو شك في صدق مقاله، وصواب توجيهه قال:" وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (7)
وحذّرهم من مخالفة أمره صلى الله عليه وآله وسلم، بأسوأ النتائج، فقال: " فيلحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب عظيم " (8)
ودعاهم الى احترام شخصه، وعدم معاملته كأي واحد منهم، لكن جميع دعواته مرّ عليها اغلب الصحابة ومن تبعهم الى هذا العصر مرور الكرام، فلم يرعوا منها شيئا تقريبا، إلا من رحم ربك، وهم قليل ممن اتبع الحق، وآوى الى ركن شديد.
وقد كشف لنا المولى تعالى شيئا من تلك التجاوزات، التي حصلت بحق أفضل مخلوقاته صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل بشأنها آيات بيّنات:  
" ألم تر الى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول" (9)
قال تعالى : "إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون." (10)
قال تعالى: "ويقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا." (11)
وقال جل من قائل: "ذلك بانهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب." (12)
كل هذه التحذيرات والتنبيهات لم تنفع، مع من غلبتهم شقوتهم، فحافظوا على جاهلية متأصّلة فيهم، لم تراعي أبسط القيم الانسانية، وبقوا عليها حتى بعد دخولهم الدين الاسلامي، لذلك لم يكن تعاملهم مع افضل خلق الله، بما يعبّر عن إيمان حقيقي وكامل، بحرمة العرّض له، أو استنقاص شخصه والإساءة له.
كثيرة هي الشواهد القرآنية التي فضحت سلوك قسم كبير من الصحابة، ومجال المقال لا يتسع لها، وقد جاءنا فوق ذلك من الروايات والسيرة والتاريخ، ما أثار حزننا واسفنا، تضمنت جملة من التجاوزات والاساءات بحق حبيب الرحمان، دلت على نقصان في دين وايمان هؤلاء الصحابة، الذين لا يزالون الى اليوم محل تقديس، من قسم كبير من الامة الاسلامية.
أغلب المسلمين لا يعلم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر أيامه، تعرض الى مؤامرة خطيرة، تسببت في منعه من كتابة وصيته، وهذه النصوص التي ساستعرضها، هي من كتب المقدسين لهؤلاء الصحابة، والمقدمين لهم على ساداتهم وكبرائهم، والمقربين حقا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وليس من وقع تقديمهم زمن معاوية وبني امية، حتى يلتبس باطلهم بالواقع.
أربعة أيام قبل رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين 28 من شهر صفر، وفي يوم الخميس الذي حزن فيه خلّص محبي النبي ومتّبعي أمره، ومنهم عبد الله بن عباس، الذي سئل عن تلك الحادثة الأليمة، فبكى حتى بلّ دمعه الحصى - وهو لعمري بكاء شديد انهمر منه دمع  غزير بلل به الارض-  فيا ليت شعري ما هذا الامر الفظيع، الذي حرك سواكن ابن عباس، حتى يصدر منه كل ذلك الحزن الكبير؟  
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. وَأَوْصَاهُمْ بِثَلاثٍ قَالَ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ فَنَسِيتُهَا".
 وفي رواية: فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْءانُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاخْتِلاَفَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُومُوا.(13)
حادثة نقلها جميع الحفاظ والمؤرخين وأصحاب السير، فلم تفت واحدا منهم - وهذا برهن على شيء من الأمانة في نقلهم - غير أن أغلبهم برر موقف الجبهة المعارضة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والرافضة كتابته لوصيته، ووقوفهم في وجهه دون حياء ومنعه في حجرته.  
يبدوا أن التحريف الذي لحق بالرواية الثانية، من تغيير نسبة الهجر الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرف عمر، الى القول بأنه قد غلبه الوجع، كان صاحبها يعلم ثقل الكلمة وخطورتها على من قالها فحاول التغطية عليه بالتخفيف منها، وذلك العمل الذي قام به، هو جرم لا يقل سوءا عن واصف النبي بالهجر، حيث تواطئ من أجل التغطية عليه.
اربعة ايام قبل رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعامل في حجرته بتلك المعاملة الوقحة، والتصدّي لأمره بالمنع، وبرر كل ذلك على أساس من تفاهة، مثيرة لسخط الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف بمن قرأ واطلع على تلك الحادثة، أن يبقى موقرا لصاحبها، كأنما هو عدل النبوّة، أو طرف له حظ مع الله، لا يفوق النبي في شيء؟  
لماذا لم يلفتوا الى القيمة الكبيرة التي تضمنتها دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم(اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) بإحضار ادوات الكتابة، وهي وصيّة هامّة جدا، عليها مدار عدم ضلال الامة  طالما تمسّكت بها، فهل ان في كلام النبي دليل هنا على انه يهجر؟ كل مسلم عاقل لا يعتقد ذلك، وانما تحصل عنده قناعة بأن طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متلّق بأمر مصيري، رأى  ضرورة كتابته في ذلك اليوم، عندما لاحظ تمرّدا كبيرا على أمره، بإنفاذ جيش أسامة بن زيد، وأن المقتحمين عليه حجرته، هم من أولئك المتمردين.
ولا بأس من مقاربة مطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما قاله قبل ذلك مرارا من حديث الثقلين، متطابقا بمقصده الذي اراده، حيث جعل التمسك بمحتواه سببا في عدم ضلال الأمّة من بعده: " عن جابر بن عبد الله قال النبي إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تَمَسَّكم بهما لن تضلّوا بعدي: كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوضَ." (14)
ولحديث الثقلين الذي أهملت حقيقته ومقاصده، تعليقات لعدد من العلماء الذين دوّنوه مقرين بصحته، اخترت منها ثلاثة تعاليق، واحدة لابن حجر الهيثمي الذي قال في شأن أهمّيته، ومع ذلك لم يعمل به: ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابيا.. ثم الذين وقع الحث عليهم منهم، إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيده الخبر  السابق: ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنهم الرجس  الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة.(15)
والثانية قالها التفتازاني بشأن الثقلين، وتعامل معه بنفس لا مبالاة ابن حجر: لاتصافهم بالعلم والتقوى مع شرف النسب، ألا يرى أنه صلى الله عليه وسلم قرنهم بكتاب الله، في كون التمسك بهما منقذا من الضلالة، ولا معنى للتمسك بالكتاب، إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية، فكذا العترة(16)
والثالثة قالها المناوي، لكنه سلك مسلك من سبقوه، في تجاهل العترة الطاهرة، فقال في شرح الحديث: يعني إن ائتمرتم بأوامر كتابه، واهتديتم بهدي عترتي، واقتديتم بسيرتهم، فلن تضلوا. قال القرطبي: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم، يقتضي وجوب احترام أهله، وإبرارهم وتوقيرهم ومحبّتهم، وجوب الفرائض المؤكدة، التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبأنهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها، وفروعه التي نشأوا عنه، كما قال: فاطمة بضعة مني (17)
اذا أهمل أغلب علماء الاسلام مقام العترة الطاهرة عليهم السلام، وتبعهم عامة الناس، فمضوا على آثارهم، امتثالا لأوامر حكامهم، والناس على دين ملوكهم، يقودونهم على هواهم، واستمر بهم الحال على ذلك المنوال، الى زماننا هذا فقد ترسخت قناعاتهم على النّحو الذي ورثوه، بلا انتباه أو استفاقة من فضلائهم، ولعل ذلك عائد الى ثقتهم المفرطة بهم، وعدم التفطن الى الخلل الذي حملوه اليهم، فزادهم بعدا عن الحق، وطالما أن اغلب الامة الاسلامية علماء وعامة، بعيدون ومتنكبون عن صراط ائمة أهل البيت المستقيم، فإن صلاح حالها وفرجها مما وقعت فيه لن يتحقق .
مسألة اخرى من المسائل الهامّة المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عُمل على إخفائها، نظرا لخطورة وقوعها، واستهدف فيها شخصه عمدا للتخلّص منه، بعد يقين مقترفي جريمتها، أنه سيكتب وصيّته المتلّقة بالإمام علي وأهل بيته عليهم السلام، بشأن استلام زمام الحكومة بعده، فعملوا على دسّ السمّ له في لدّ لدوه به وهو مغمى عليه، الحادثة مرّت في الخفاء، وتجاهلها اغلب كتاب السيرة والمؤرخين، فلم يبق لها اثرا سوى بعض الكتب، ككتاب سليم بن قيس الهلالي، الذي اعتبره مبيضوا الصحابة كتابا غير موثوق، لكن الذي وجدته في مسند أحمد بن حنبل، يرجّح فرضية مقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسّمّ نتيجة مؤاكرة استهدفت حكومة الاسلام كما اخرج الطبري:
فقال: يا بن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت .فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت.

فقال: تكلم يا بن عباس، فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية فقال: " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرّك عنها، فتزيل منزلتك مني، فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا، فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسدا وظلما؟ فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما، فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون. فقال: عمر هيهات، أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول، وضغنا وغشا ما يزول. فقلت: مهلا يا (أمير المؤمنين) لا تصف قلوب قوم، أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش، فإن قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم من قلوب بني هاشم. فقال عمر: إليك عني يابن عباس، فقلت: أفعل. فلما ذهبت لأقوم استحيا مني، فقال: يابن عباس مكانك فوالله إني لراع لحقك، محب لما سرك، فقلت: يا (أمير المؤمنين) إن لي عليك حقا، وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحظه أصاب، ومن أضاعه فحظه أخطأ. ثم قام فمضى. (18)
من خلال رواية الطبري، نستخلص خيوط المؤامرة على حكومة الاسلام بعد النبي، وصرفها عن صاحبها الشرعي، المؤيد بالنصوص الدالّة عليه، بالإنجازات العظيمة التي حققها مع النبي، وبالإمكانات الفكرية والعلمية التي تعلّمها منه، واجتماع هذه الدلائل تؤكّد أنّ أمرا خطيرا دبّر في الخفاء، واجتمع عليه اعداء أهل بيت النبي، بعدما تعاهدوا على المضيّ فيه الى آخر نفس.
الرواية التي جاء فيها خبر مقتل النبي أخرجها إمام الحنابلة، بعدما اقتنع بصحة ورودها اسنادا، ولا اخاله قد غفل عما جاء فيها متنا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (بن مسعود) قَالَ: لأن أحلف بِاللَّهِ تِسْعًا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ قَتْلًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا. حكم الحديث: إسناده صحيح على شرط مسلم.(19)
هذا نبيّنا نبيّ الاسلام أبو القاسم محمد بن عبد الله، وتصريحه الذي افضى به أسفا وحسرة على أمّة فرطت فيه كأنما احساس الحب والتقدير له قد مات في قلوبهم، يقبلون من أساء اليه وانتهك حقوقه، فيترضّون عليهم ويقدمونهم عليه بالادعاء بتسديد الوحي لهم، وتخطئة النبي مقابلهم، كيف يقبلون عبث المنحرفين، واذا لم يامن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم في شخصه، فكيف يمكن أن نأمن هؤلاء المقتحمين بالسوء قداسته، وحرمة شخصه وبيته، جملة أحاديثه وسيرته؟
من هذا المقام يجب علينا كمسلمين أن نراجع دسائس، تمكن أعداء الاسلام من ادخالها في تراثنا، حرّفت مسيرتنا نحو الحق، وتركتنا أجيالا متعاقبة في تيه لا مثيل له، قد تجرأت علينا أرذل الأمم، فلم يراعوا لنا حرمة.
المراجع
1 – سورة التوبة الآية 128
2 – سورة القلم الآية 4
3 – سورة الانبياء الآية 107
4 – سورة النساء الآية 80
5 – سورة ال عمران الآية 132
6 – آل عمران الآية 31
7 – سورة الحشر الآية 7
8 – سورة النور الآية 62
9 – سورة المجادلة الآية 8
10 – سورة الحجرات الآية 4
11 – سورة النساء الآية 81
12 – سورة الانفال الآية 13
13 – صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير ج4ص69ح3053 كتب الجزية باب اخراج اليهود من جزيرة العرب ج4ص99ح3168 كتاب المغازي باب مرض النبي ج6ص9ح443/ مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية ج5ص75ح1637
14 – مسند احمد مسند ابي سعيد الخدري ج17ص169 ح11104و ص211ح11131 ومسند الكوفيين حديث زيد بن ارقم ج32ص64ح 19313 وح 19265/ مسلم  كتاب فضائل الصحابة  باب فضائل علي بن ابي طالب ج7ص122ح2408/ سنن الدارمي ومن كتاب فضائل القران باب فضل من قرا القران ج4ص2090ح3359/ سنن النسائي ح8148/ سنن الترمذي ج5ص328 / المعجم الكبير الطبراني ج3ص85و ج5ص85 و166و180و186/ المعجم الوسط الطبراني ج5ص89/المستدرك الحاكم ج3ص110
15 – الصواعق المحرقة ابن حجر الهيثمي ص 126
16 – المقاصد التفتازاني ج5 ص303
17 – فيض القدير للمناوي ج3 ص14
18 – تاريخ الطبري ج 2 ص 578 
19 – مسند احمد مسند عبد الله بن مسعود ج 6ص115 ح 3617







mardi 22 octobre 2019

معاداة إيران والشيعة هدف أعداء الاسلام المحمديّ



في أول مصافحتي للفكر الاسلامي الشيعي الامامي الاثني عشري عند الايرانيين، اكتشفت فيه عدة خصال، انفرد بها لم يشاركه فيها غيره، من الاتجاهات الفكرية والفقهية الاسلامية، من ذلك ارتباطه بالنصوص القرآنية، حيث ان الوحي أخبر عن ظهورهم في آخر الزمان، وقام بربطهم بالنبي صلى الله عليه واله وسلم برابط الانتساب اليه، فقال جل من قائل: "هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين واخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم." سورة الجمعة الآيتين 2 و3 ففي اسباب نزولها اخرج البخاري
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ : "وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم." قَالَ : قُلْتُ : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ : " لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ - أَوْ رَجُلٌ - مِنْ هَؤُلَاءِ ".
(البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الجمعة ج6ص 151 ح  4897/ مسلم باب فضائل الصحابة باب فضل فارس . ج7 ص 191 ح 2546/سنن الترمذي ابواب التفسير عن رسول الله باب سورة الجمعة ج5ص 337ح3310/ ابواب المناقب عن رسول الله باب فضل العجم ج6ص 212 ح3933/مسند احمد نسند ابي هريرة ج15ص237ح940)
ولم يقف الوحي الالهي عند هذه الآية، وانما أضاف الى رصيدها، الموجه في مضمونه لقوم سلمان الفارسي، الذي زاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرفا، بان وقف في وسط الذين كانوا يستهزئون بلكنته الاعجمية، جهلا منهم بقيمته وعلو مكانته وهمته، فقال:" سلمان منا اهل البيت." (المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري في ذكر سلمان ج3 ص598 )
فقد نزل فيهم ايضا قوله تعالى: "وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم."
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ : "وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم." قَالُوا: وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْكِبِ سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ: " هَذَا وَقَوْمُهُ، هَذَا وَقَوْمُهُ ".
(سنن الترمذي ابواب تفسير القران باب ومن سورة محمد ج5ص303ح3260)
إذا كان الفرس وهم الايرانيون اليوم، بهذه المكانة والحظوة عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فماذا تعادونهم؟ أهي جرأة على الله ورسوله أم استهانة بقدر الايرانيين، منتهى الحمق والجهل أن تكونوا بهذه العقلية التافهة، أيها السبابون والمعادون لإيران الاسلام، وهذا دليل على أنكم لا تحترزون لدينكم، إن كان لكم دين من أساسه.
وعوض أن يلتفت المعادون للمسلمين الشيعة الى حالهم السيئة ووضعيتهم المتردّية، ويستفيقوا من غلفتهم، خصوصا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تلك الثورة العظيمة التي قادها الامام الخميني رضوان الله عليه، وأسس بها نظاما اسلاميا عتيدا، برهن بمرور الزمن أنه صادق في جميع وعوده، وحاضر في مواعيده المصيرية التي دعا اليها، كالتعاون والوحدة الاسلامية، وتحرير فلسطين، فيسألوا انفسهم: لماذا استمر بهم الحال من السلبية والتخلّف، الى الحد الذي اصبحوا عليه؟ ألا يمكن ان يكون ذلك مردّه الى المنهج الذي اتبعوه، وأخذوه وراثة عن آبائهم وأجدادهم؟ وقد يكون الخطأ مشتركا من جهة تقصيرهم في التفاعل مع موروثهم، ولكن الالتفات الاساس يجب ان يكون الى المنهج: من أين جاء؟ ومن الذي جاء به؟
انكم ايها الاخوة بحاجة الى التجرّد من عصبية، أثبتت عقم من لاذوا بها في التشبّث بمواقفهم، معتبرين ما وراء موروثهم خطأ وخروج عن الدين، والحقيقة كل الحقيقة هي عندهم وحدهم فقط، وهي قناعة بعيدة عن العلم والمنطق، لم يكن العلم الواقعي والصحيح في يوم منغلقا على ما حققه، ولو كان كذلك لتأخر ولما وصل الى ما وصل اليه من تقدّم.
اذا أردتم معرفة أي فكر أو عقيدة، فتعرّفوا عليه من مصادر أهله المعتمدة، اقرؤوا كتبهم التي ألّفها كبار علمائهم، ولا تذهبوا الى الشواذ منهم ولا مخلفيهم لتحكموا عليهم بالباطل، بل احكموا عليهم من أمّهات مراجعهم العقائدية والفقهية والروائية، وكلامي الأخير موجّه الى ذوي التخصص في العلوم الاسلامية فقط، لأنهم يمتلكون آلية التمييز العلمي.
لا اريد الخوض في المسائل الفكرية والعقائدية هنا -  وإن كان لها أهميتها في اقناع الطرف المقابل - فالمقال لا يسمح طلبا للإختصار، ما أودّ تبليغه للجميع أن الاسلام بقرآنه ونبيّه يجمع ولا يفرّق، والاعتقاد بالشهادتين والنّطق بهما، كاف لدخول قائلهما في الاسلام، فلا يحقّ لأحد، كائنا من كان، أن يحكم عليه بالخروج من الدين الحنيف، ومن حكم على مسلم شيعي أو غيره بالخروج من الاسلام، وهو يراه قائما صائما في الحج، فقد أخطأ خطأ فادحا، سيتحمل تبعاته حتما، يوم لا ينفعه مال سعودي ولا عطاء اماراتي.  
يجب على من انخرط في موجة معاداة الشيعة وإيران، أن يلتفت الى تموقعه في الحملة المغرضة، أين هو فيها؟ اليس قد وجد نفسه في وسط صهيوني غربي، معاد للإسلام والمسلمين، محاط بحزام من انظمة العمالة للصهيونية والغرب، قكيف به والحال تلك، ان يرضى بأن يكون مع هؤلاء الأعداء؟ ويغتر ويصدّق ادعاءات أشباه علماء، بانحراف الشيعة عن الاسلام؟
إيران الاسلامية تقود جبهة المقاومة، حبّ من حبّ وكره من كره، منذ أن دعا الى تأسيسها مفجّر الثورة الاسلامية، وقد بلغت اليوم درجة الاقتدار والتمكّن العسكري، تصنيعا وتطوّرا تكنولوجيا وعملا تنظيميا، ما يزال بقية المسلمين بعيدين عنه، بل لعله غير مدرج في حساباتهم بالمرّة، ماضية في طريق عزة الاسلام والمسلمين، قد استبعدت من حساباتها التمييز المذهبي، فهي لا تفرّق بين حركات المقاومة الفلسطينية وبين حزب الله، فجميعهم مدعومين منها، ساهرة على حظوظهم في تحقيق النصر النهائي على الكيان الصهيوني، ولن يتأخر ذلك بحول الله تعالى.
لن تضرّ ايران الاسلامية، ولا المسلمين الشيعة من ورائها، كلمات الحقد التي يتلفّظها الجهلة والحمقى، فلا المجوسية دينهم، ولا الصفوية حاضرهم، ولا عبّاد القبور نسبتهم، جميع الاراجيف بحقهم ساقطة، كسقوط دعاة الفتنة، والفتنة اشد من القتل، تذكروا أيها الحاقدون أن للتاريخ مزبلة، ستكون فيها نهايتكم، مع كل الخبث والدناءة التي رميتم بها شرفاء الأمة، أنتم احقر شأنا من أن أكتب عنكم، ولكن الواجب دفعني الى أن أنبّه من في قلبه بقية دين، لكي يحذركم ويتجنّبكم، لكي لا يرد موردكم، وبئس الورد المورود.