mardi 2 janvier 2024

الرّجُلُ الأسطورة


الرّجُلُ الأسطورة

بقلم: محمد الرصافي المقداد

إذا أردتُ أن أتحدّث بموضوعية عن الشهيد اللواء الحاج (قاسم سليماني)، فعليّ أن أعطيه بعض حقّه، هذا البعض يدفعني دفعا لأن أعنْوِن مقالي هذا ب( الرّجل الأسطورة)، فعلى الرغم من ظهور بعض الحقائق العالية القيمة عن سيرته المهنية، بقيت جوانب أخرى كثيرة من حياته، يكتنفها الخفاء إعلاميا، والسّريّة عسكريا، جوانب خاصة به عملا، ومشاعر وذهبت معه إحساسا وعاطفة، فلا مجال لاستشرافها بغير التخمين والإحتمال، وجوانب خاصّة بمهامّه العسكرية والقتالية، حُجِبت لأسباب أمنية في حينها، ومع انتهائها بقيت مع منظوريه من قيادة الحرس الثوري، لعدم انتهاء المهامّ في ملفّها الذي ما يزال مفتوحا، وتواصلها في كل ما تعلق بمواجهة الصهيونية والاستكبار العالمي، وهذا تعلّق بغالبية مهامّ الشهيد العزيز الحاج قاسم.

لأجل هذه الجهود الواسعة التي بذلها على رأس قيادة فيلق القدس، بعدما استلم مهامّه بتاريخ 24/1/2011 خلفا لأحمد وحيدي، وهذا لا يعني أنّه لم يباشر مهامّه الموكلة إليه قبل ذلك التاريخ، فهو ضابط في صلب جهاز الحرس الثوري، هذا الجهاز العقائدي الذي كان له دور بارز، في حفظ مكاسب الثورة الإسلامية ونظامها ومؤسساتها، ودور آخر لا يقلّ أهمّية، يندرج في إطار الهدف الذي دعا اليه الإمام الخميني، واستلم الإمام الخامنئي من بعده مسؤولية متابعة السير على نهجه، الذي عرفه العالم بأسره، باحتضانه لقضية فلسطين والقدس، وعمله على تحريرها بالمقاومة، كأسلوب وطريق وحيد، بإمكانه حل القضيّة حلّا نهائيا، وإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في أرضه كاملا.

ما تناهى إلى أسماعنا، تعدّد مهام الشهيد العزيز في أفغانستان، وفي لبنان، وفي فلسطين، وفي اليمن، وفي العراق، وفي سوريا، وحتى في فنزويلا، فقد كان حاضرا في تقديم استشاراته العسكرية في لبنان، قبل عامي 2000 و2006 والتالي أسهم في تحقيق الإنتصار على جيش الكيان الصهيوني في التاريخين المذكورين، دون أن ننسى جهوده الأخرى المبذولة في إطار تسليح قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، بقطع النظر عن توجّهاتها الفكرية والعقائدية، فما يهُمّ الشهيد قبل كل شيء، مواجهة الكيان الصهيوني بكافة القوى المُتاحة، والمتفقة على عدم شرعية وجوده في المنطقة، وهنا تبرز حكمته في جمع هذه العناصر المتباينة فكريا على هدف واحد، وهو زوال الكيان الصهيوني، أما في أفغانستان فقد تجلى دوره السياسي في بناء علاقة حسن جوار، أظهرتها حركة طالبان تجاه إيران وأحسن استثمارها الشهيد، بعدما راهنت أمريكا على جعلها شوكة في خاصرة إيران، من الجهة الشمالية الشرقية بعد انسحابها الفجئي من أفغانستان، أما في  فلسطين، فيكفينا هنا تصريحات قادة الفصائل الفلسطينية العسكريين والسياسيين، المليئة بالثناء والشكر لإيران قيادة وشعبا على ما قدمته لهم من دعم بمختلف أشكاله العسكري والماديّ، وما قدّمه الشهيد الحاج قاسم وسهر على تحقيقه، تجلّى في قدرة فصائل المقاومة، على صدّ الإعتداءات على قطاع غزّة، وتكبيد العدو الصهيوني خسائر فادحة أوقفت غطرسته، زد على ذلك طوفان الأقصى، نقطة تحوّل جذري في مواجهة العدو الصهيوني، وتحوّلها من الدفاع إلى الهجوم، ما أعطى للمقاومة بعدا عسكريا جديدا، طال أمن الكيان، كاشفا ضعف قواته العسكرية في مواجهة المقاومة الفلسطينية، يحمل بشائر نهاية الكيان المحتلّ.

أمّا في اليمن - وان كانت حركة الشهيد الحاج قاسم قد جرت في كنف السرية - فإنّ المعلومات عنها بقيت في ذلك الإطار إلى اليوم، وما أمكن معرفته هذه الأسلحة المتطورة التي أصبحت في حوزة حركة أنصار الله والجيش اليمني، ومن يطلق عليهم الأعداء اليوم أتباع القوى الغربية الحاقدة اطلاقا طائفيا بالحوثيين، إيهاما للعرب والمسلمين بأن ما يجري في اليمن، لا يعدو كونه سيطرة طائفية من جانب واحد، ما يزيد من تأليب مكونات الشعب اليمني ويدفعه الى التناحر، والتدخّل العسكري للسيطرة عليه مجدّدا، لكنّ الشعب اليمني صمد بقيادته الثورية الحكيمة، ودور اللواء الشهيد في تسليحه، وتمكينه من تقنيات صناعة أسلحته بنفسه، مثلما حصل لبقية حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، ولولا الجهود الجبّارة التي بذلها هذا الرجل العظيم، لانطوى ملفّ القضية الفلسطينية، على سلطة فلسطينية حُدّد دورها فقط في العمالة بأخبث حالاتها للعدو الصهيوني، ولولا الحاج قاسم لبقيت لبنان وبيروت مهيعا، تتردد إليه القوات الصهيونية عابثة بأهله، ولولاه لأخضعت اليمن إلى التحالف الأعرابي (والأعراب أشدّ كفرا ونفاقا)، ولوقعت نقطته الإستراتيجية مضيق باب المندب، بأيدي عملاء أمريكا والغرب، هذا المضيق الذي أصبح ممنوعا، على السفن التي تحمل سلعا من وإلى موانئ فلسطين المحتلة، والفضل يرجع أولا إلى حزم وشجاعة وصدق اليمنيين، واتحاد هدفهم مع ايران في محاربة الصهيونية والاستكبار، وثانيا الجهود العظيمة التي بذلها الشهيد من أجل عزّة اليمن وكرامة أهله.  

جهود ليس بإمكاننا تقييم قيمتها العالية، ونحن نرى اليوم هذا التطور الكبير الحاصل في محور المقاومة، كل ما يسعنا قوله في هذا المناسبة الرابعة لاستشهاد اللواء الحاج قاسم سليماني، أنّ ما قام به هذا الرجل الفذّ هو بمثابة أسطورة تقارب الخيال، لو أمكننا جمع تفاصيلها كلها، ومع عدم امكان ذلك، تبقى واقعا حقيقة ظاهرة اليوم للعيان، على ميادين مواجهة الصهيونية والاستكبار، لقد استشهد قائد فيلق القدس مغدورا من الأمريكيين، وهو في اطار أداء مهامّه السياسية والعسكرية، بعد أن نجح في تقديم المساعدة والنصائح إلى عناصر وحركات المقاومة، دون أن أنسى جهوده الكبيرة في تقديم الإستشارات العسكرية، وقيادة جبهات مواجهة داعش، وفلول الإرهاب والتكفير في سوريا والعراق، ولولا تلك الجهود لقامت داعش على أرض سوريا والعراق، ولابتُلِينا بخوارج عصر حديث، لا يختلفون في شيء عن خوارج القرن الأول من الهجرة النبوية.     

 

 

فاطمة أم أبيها؟



تذكّر بمناسبة مولد السيدة الزهراء عليها السلام

بقلم: محمد الرصافي المقداد

إذا أردنا أن نتحدّث  في مجال الفضائل والمراتب بين الجيل الأول من المسلمين، فإنّنا سنواجه أحاديث صحيحة، صرّح بها النبي صلى الله عليه وآله، وبنى عليها العارفون اعتقاداتهم، في مقابل روايات غريبة، مثيرة الرّيب في مضامينها، لكنّها بقوة السلطان الأموي وجدت من اعتبرها حقيقة صادرة عن الوحي، بينما هي وهْمٌ مُخترعٌ، جاء به وعاظهم، ليكون لهم ذريعة يرفعونها، من أجل بقاء سلطانهم قائما على رقاب المسلمين بالظلم والعدوان، وطمس حقوق الأولياء الحقيقيين الواجبة مودّتهم على جميع أجيال الأمة الإسلامية.  

كتابتي اليوم على سيّدة اصطفاها الله سبحانه، لتكون أمَتَهُ الصالحة بين نساء خلقه، فيتّخذون منها ومن سيرتها قدوة، تأخذهم إلى طاعته ورضوانه، عُرفت بألقاب عديدة منها الزهراء، ومنها البتول، ومنها الصدّيقة، ومنها المحدَّثّة، ومنها الطاهرة، ومنها سيدة نساء العالمين، ولعلّ أهمّ هذه الألقاب لقب أمِّ أبيها، فمن أخّرها عن مقامها جاهلا أو متعمّدا، مدّعيا قلّة ما جاء بشأنها من سيرة وأحاديث خاصة بها، فليس معذورا أبدا، فما جاءنا عنها على قلّته، كاف لوضعها موضعها الذي تستحقّه في الأمّة،  فيكفي أن أقول إنّها تربية أبيها وتلميذته الأولى من النساء، واستحقّت بعد ذلك أن تنال مقاما انفردت فيه مع أمّها، قال بشأنهما النبي صلى الله عليه وآله: (كمُل من الرجال كثير، وكمُل من النساء أربع، هنّ أسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد.)(1)

أضاءت كنور بهر من رآها، وتعرّف على مخزون علمها ومنطقها في جيلها ومجتمعها، ومع ما كانت تحظى به من إكبار وتبجيل من أبيها، وهو نبي الله ورسوله إلى العالمين، لم تجدْ بعده سوى الاستهانة والتأخير، فلم يراعى لها شيء تقريبا، وغصبت حقوقها في ميراثها من أبيها، بعدما غصب حق زوجها علي بن أبي طالب وما أدراك ما عليّ، في ولايته على الأمّة قاطبة، منتهزين فرصة انشغاله في تجهيز أخيه خاتم الرسل صلى الله عليه وآله، فعقدوا عقودهم وتحالفوا على صرف الحكم عنه، وانتهى أمره إلى ما تمخضت عنه أحداث سقيفة بني ساعدة.

كلمحة ضياء خاطفة مرّت على جيل عرفها، لكنّه لم يكن مقدّرا حقّها، وحقّ زوجها وابنيها أئمة الهدى عليهم السلام، لكنّ ما نُقِلَ عنها كان كافيا لإظهار مقامها العالي، والعصيّ على أن تدركه غيرها من النساء، أمّا مظلوميتها، فحجّتها التي ألقتها على المسلمين في مسجد أبيها، أخرج من ادّعى عليها وتطاول على مقامها، من الصّادق إلى مقام المُفتري الكذّاب، لو عقل خطبتها عميان القلوب، ولكن أنّى لمن عمي قلبه أن يعي احتجاج امرأة طهّرها الله فأنزل بشأنها: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2) وقال بشأنها أبوها: (فاطمة بهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أمانتي، والحبل المدود، فمن اعتصم بهم فقد نجا، ومن تخلف عنهم فقد هوى) (3)

من قال من ابنته المُجمّع على حقيقة بنوّتها؟ قيل له: إنها فاطمة وحدها فقط وغيرها ممن ألصق ببنوّته مجرّد ادّعاء، فلا تعدو بقيّة البنات عن كونهنّ ربيباته من هالة أخت خديجة،  ومن قال من أحبّ النساء إليه إجمالا؟ لم يُمهلهم الجواب عن التيه في البحث، فقد أجراها أبوها سيرة وسلوكا قبل أن ينطق بها، وجرَتْ في فهم وقناعة من عاشروا النبي صلى الله عليه وآله، وقد سألتْ عمّة جميعٌ بن عمير عائشة: من كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقالت: فاطمة عليها السلام قلت: إنما أسألك عن الرجال، قالت: زوجها، وما يمنعه؟ فوالله إن كان ما علمت صواما قواما جديرا أن يقول بما يحب الله ويرضى. (4)

وقد سأل على عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله يوما فقال: يا رسول الله أنا أحب إليك أم فاطمة؟ فقال: أنت عندي أعز منها، وهى أحب منك (5)

محاولات التغطية على مظلومية السيدة فاطمة عليها السلام وصل إلى الكذب والتلفيق، وكان مفضوحا ومكشوفا، لا يقبله عاقل، بإمكانه التمييز بين ما هو مفترى، يراد به تضليل عامة المسلمين، وصرْفِهم عن منزلة أهل البيت عليهم السلام، وبين ما هو واقع من كون منزلة هذه السيدة الجليلة، لا ترقى إليها امرأة أخرى، سوى أمّها السيّدة خديجة عليها السلام، فلا الرواية التي حرّ         فها نهج بني أميّة - وقد أوردناها صحيحة في أوّل المقال- جاء فيها: (كَمَلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلَّا مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ علَى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ علَى سائِرِ الطَّعامِ)(6) وأي فضل لعائشة أمام خديجة عليها السلام؟ فضلا عن فاطمة سيدة نساء العالمين؟ وما وجه المقايسة هنا بين الثريد وسائر الطعام، حتى يمكن اعتباره صحيحا؟ وهل يصح من النبي صلى الله عليه وآله مثل هذا القول والقياس، على ما يحتمله من تهمة دسّ، ليس من عادته اتخاذه أسلوبا لبعده عن الإستدلال المنطقي؟ ومع وجود الحديث الصحيح، الذي اورته في أول مقالي، فضح الوضّاعين وكشف مدى جناية الأفاكين على النبي صلى الله عليه وآله بالأقوال العاطلة، فلا مجال لهذه الرواية أن تصمُدَ أمام الحديث الصحيح، الذي برهن على منزلة شخصيات من اصطفاهم الله، وجعلهم حملة آدابه وأحكامه وحفظة دينه، وأثبت أن كل تلك التحريفات والتزييفات، كانت من صنائع معاوية، والأساس الأول في كلّ ما وقع تحريفه، خصوصا في ما اطلقوا عليه من باب الفضائل.  

ولنا فيما صرّحت به عائشة نفسها، رغم اعترافها بغيرتها من خديجة، وقذفها لها وهي ميّتة، في بيان  فضل سيدة نساء العالمين كفاية لمن يعي: عن عائشة قالت: استأذنتْ هالة بنت خويلد أخت خديجة، على رسول الله، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللهم هالة. فغِرْتُ فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر أبدلك الله خيرا منها؟ فتغير وجهه عليه الصلاة والسلام، وزجر عائشة غاضبا: والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء.  (7)

إنّ من نقل روايات باطلة مدّعية صرْفَ حبّ النبي صلى الله عليه وآله إلى غير فاطمة وعلي عليهما السلام، وهي مفضوحة في مقصدها الأموي، الذي أسّسه معاوية، القاضي بصرف فضائل عن أهل البيت عليهم السلام، ونسبتها لغيرهم، تهوينا للمسلمين بحقوقهم، وحجب ما تعلّق بحياتهم مع النبي صلى الله عليه وآله، وصرف فضائلهم والصاقها بغيرهم، عمل سياسي خبيث، أراد منه مقترفوه استنقاصهم، مقابل الرفع من شأن من غصبوهم حقهم في قيادة الأمة الإسلامية الناشئة، بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله.

فقد جاء في كتاب الأحداث للمدائني: (ثم كتب معاوية إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع ،حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.) (8)

ما استخلصناه -على قلّته- من سيرة النبي صلى الله عليه وآله بخصوص علاقاته بابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، يؤكّد انفرادها بخصوصيات لم تتحمّلها فيها بعض نسائه، فركبتها غيرة فتّاكة، حادت بها وبغيرها عن واجب مودّتها، وقد جاء في السيرة عن عائشة قولها: ما رأيت أحدا كان أشبه سِمْتًا وهدْيًا ودَلّاً برسول الله صلى الله عليه وآله من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه، قام إليها وأخذ بيدها وقبّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها، قامت فأخذت بيده فقبّلته، وأجلسته في مجلسها.(9)

لكنّ الذي استخلصناه من ركام اختلط الغث فيها بالسمين، أشكل مجموعه على أجيال من أمّتنا، حوّلتهم من مقام المعرفة بهم وبحقوقهم، إلى مقام تجاهلهم والإستهانة بهم، وتقديم غيرهم عليهم، في مقام الولاية خصوصا، ولم يُحارَب بيت طُهْرٍ في التاريخ، مثلما حورب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وعجبي كيف تظلم فاطمة عليها السلام، وهي التي أذهب الله عنها الرجس وطهّرها تطهيرا، فلا تقبل دعواها في ميراثها، وتردّ بشهودها غاضبة على من ردّها، وقد ذكر البخاري أنها ماتت واجدة عليه، فكيف يرجو رحمة الله من أغضب فاطمة كائنا من كان، وأبوها الذي قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها اغضبني . (10) كيف تنتهك حرمتها فيعتدى عليها في بيتها، بعد أن هُدّد المعتدون بإحراقه، إذا لم يخرج من فيه للبيعة مرغمين (11).

من أجل أن يُعْطى هؤلاء الأطهار، وفي مقدّمتهم هذه السّيّدة المظلومة حقوقهم، يجب على كل عارف بمقاماتهم، أن يرشد المسلمين إلى حقائق أشخاصهم وما يمثّلونه من قِيَم إسلامية، خدمة لله ورسوله صلى الله عليه وآله، فليس هناك أجدى من إظهار وإبراز حقيقة دينية، لها فائدة في رفع مظلمة عن مؤمن،  وإحقاق حقّ مشروع له.

لم تعش أمّ أبيها - وهو افضل لقب تحبّه - سوى ثمانية عشرة عاما، منها ما يقارب الخمس وسبعين يوما بعد رحيل أبيها، فكانت أول أهل بيته لحوقا به، مضروبة مأذيّة بضربة تلقتها، أسقطت بسببها جنينها محسن، موصية زوجها وإمام زمانها عليّا عليه السلام، بأن لا يأذن لمن ظلمها حضور جنازتها، ففعل ودفنها ليلا سرّا، فقبْرها إلى اليوم غير معروف، سوى ما قاله النبي صلى الله عليه وآله: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) (12) يرجّح أن يكون الإمام علي عليه السلام قد قام بدفن فاطمة عليه السلام في بيته، تطبيقا لوصيّتها، وتأمينا لعدم مشاركة الإنقلابيين عليه، والمعتدون على زوجته في مراسم الوداع والجنازة، وهو داخل في مساحة ما بين القبر والمنبر على الأرجح.

كنيتها بأمّ أبيها التي شرّفها بها والدها هي أحبّ الألقاب إليها، فقد كانت أعطته عاطفة ومشاعر الأمّ، وكان احساسه منها كذلك، مما جعله يكنّيها بتلك الكنية العزيزة عليها، فسلام عليها يوم ولدت وهذه مناسبة مولدها 20 جمادى الآخرة، وسلام عليها يوم استشهدت مظلومة منتهكة الحقوق، وسلام عليها يوم تبعث طالبة حقوقها ممن ظلمها ومن غبنها حقّها متعمّدا.

المصادر

1 – مجمع البيان الطبرسي ج 10 ص 480

2 – سورة الأحزاب الآية 33

3 – بحار الأنوار المجلسي ج 23 ص 143/

4 – كشف الغمّة الابي الفتح الأربلي ج 2 ص 90

5 – المصدر السابق

6 – جامع أحاديث البخاري كتاب أحاديث الأنبياء ج4ص158ح3411وص164ح3433 وفضائل الصحابة ج5ص29ح3770 ومختصرا فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. كتاب الأطعمة ج7ص75ح5419

7 – جامع أحاديث البخاري كتاب مناقب الأنصار ج5ص39ح3821/ مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين ج7ص134ح2437

8 – بحار الأنوار المجلسي ج33 ص 191 / شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج11 ص45

9 – سنن الترمذي أبواب المناقب ج6ص175ح3872/ سنن أبي داود أول كتاب الآداب ج5ص245ح5217

10 – جامع أحاديث البخاري كتاب فضائل الصحابة ج5ص21ح3714 وص 29ح3767

11 – ابن قتيبة الدينوري ج1ص19

12– جامع أحاديث البخاري باب فضل الصلاة ج2ص61ح1195/ مسلم كتاب الحج ج4ص 123ح1391

 

 

 

 

 


mercredi 27 septembre 2023

مثلما جمعنا النبي في حياته سيجمعنا في ذكرى مولده


 



يعتبر الإمام الخميني رضوان الله عليه رائد الإصلاح في عصرنا  هذا، هاله وضع الأمّة الإسلامية، ما صلته من هوان وضعف، وضعف استغلال أعدائها لها أبشع استغلال، عمل بحرقة على التقريب بين مكونات الأمة الإسلامية، بادر من كل قلبه مخلصا لله تعالى فيما عزم عليه، من سعي لتحقيق ألفة إسلامية دائمة بين طوائفها، معتبرا في خطاباته التي كان يلقيها على شعبه أن الوحدة الإسلامية بين الشيعة والسنة أمر واجب دينيا وضروري دنيويا، أمام تحالفات دنيوية قامت بين دول جمعتها المصالح فقط، وبالنظر إلى حال الأمّة الإسلامية، يمكن القول أنه لا يمكن أن تتقدم أمة وهي مفككة العرى ممزقة الأوصال، يتلاعب بمصائرها الأعداء وهي تعتبرهم أصدقاء.

من بين المناسبات التي اعتبرها الإمام الخميني فرصة متاحة للتقريب وتوحيد الأمة الإسلامية، ذكرى مولد النبي صلى الله عليه واله، والذي دوّنه حفاظ الفريقين بتاريخين قريبين من بعضهما، 12و17ربيع الأول، تولّدت له منها فكرة جعل التاريخين أسبوعا للوحدة الإسلامية، يدعو فيه علماء وخطباء المنابر إلى زيارة إيران في وضعها الإسلامي، والمشاركة في مؤتمر أئمة الجمعة والجماعة، يتباحثون فيه أسباب تخلفهم عن دينهم، وتقاعسهم عن واجباتهم، في أن تنصهر شعوبهم جميعها في الأمة الواحدة، التي دعا الله إليها في محكم كتابه العزيز.

من بين كلمات وبيانات الإمام الخميني رضوان الله عليه بشأن وحدة الصفّ الإسلامي، ما يستشفّ منه تقاعس الدول الإسلامية عن أداء واجباتها تجاه دينها، وعدم سعيها لتحقيق أبسط مقوّم وحدة، تمشّيا مع رغبات الغرب: (إن كثيراً من حكومات البلدان الإسلامية - ونتيجة للانهزام النفسي أو لعمالتها - تنفذ المخططات الخيانية، والرغبات المشؤومة الاستعمارية المعادية للإسلام، والتي تهدف إلى ترسيخ هذه الأوضاع المأساوية للمجتمع الإسلامي، والى تسليط "إسرائيل" على أرواح وأموال وأراضي الأمة الإسلامية .. لو اجتمعت هذه القدرة أي قدرة المائة مليون عربي، فإن أمريكا لن تستطيع أن تفعل شيء)(1).

ومن جانب آخر، فقد وضع إصبعه على بيت الداء، الذي استغله أعداء الإسلام أسوأ استغلال، ليعمّقوا به هوّة الفرقة بين السنة والشيعة، بدس مثيري الفتنة من الفريقين، وفي هذا الصدد قال رضوان الله عليه: (يجب أن يحترز الأخوة السنة والشيعة عن أي اختلاف.. إن اختلافنا اليوم هو فقط لصالح أولئك الذين لا يعتقدون بالمذهب الشيعي، ولا بالمذهب الحنفي، ولا بسائر الفرق الأخرى. إنهم يريدون أن لا يكون هذا ولا ذاك، ويعتقدون أن سبيل السيطرة على المسلمين، هو في زرع الفرقة بيننا وبينكم) (2)

 هذا الواجب في استنهاض شعوب الأمّة الإسلامية، دعا إلى الضرورة تأسيس مجمع عالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية(3)، بعد أن نجحت فكرة عقد مؤتمرات أئمة الجمعة والجماعة، ووجب تطويرها لتكون مؤسسة علمية، تضطلع بتقديم ما يلزم لتركيز مشروع الوحدة، عملا بالمبدأ الذي جاءت به الآية الكريمة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (4) فكان التأسيس سنة 1990 بتوجيه وإشراف مباشر من خلفه الولي الفقيه الإمام الخامنئي، وظهر المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بنشاطاته المتعددة، وتحت إشراف خيرة العلماء الموجودين، مستحضرا جهود من سبق في التمهيد لمشروع الوحدة العظيم، وهو اليوم يعتبر صرحا قويا متماسكا، يتقدم نحو النجاح في تحقيق هدفه الذي أسس من أجله.

لقد جاء النبي صلى الله عليه وآله ليجمع شتات العرب بعد أن كانوا قبائل متناحرة، فألّف به الله قلوبا لم تكن لتهدأ عن طلب الثأر، فسكّن النفوس وهذّب طباعها، وحوّلها من جاهلية التناحر والتدابر، إلى رحمة الألفة والأخوّة الإسلامية، ومشروعه اليوم قرآني يجب أن يتواصل، في إطار بناء جديد للعلاقات الإسلامية بين مختلف الأفراد والشعوب، خدمة للسلم والأمن الإجتماعي، في التعايش بين الناس بمختلف طبقاتهم، وكم العالم اليوم بحاجة إلى تاصيل علاقة الأخوّة التي تكاد تندثر من حياة الأمم بفعل نعرات العنصرية ودعوات التباغض العرقي، بينما الأصل واحد (ان الله لا ينظر الى انسابكم ولا الى احسابكم ولا الى اموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وانما انتم بنو ادم، وأحبكم إليه أتقاكم) (5)، وما أوصى به الإمام علي عليه السلام لصاحبه مالك الأشتر، عندما عينه واليا على مصر، من جملة من الوصايا منها: ( وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبُعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)(6).

هذه محطّة مهمّة من محطات وحدة وألفة الأمّة، وكما جمعهم النبي صلى الله عليه وآله في حياته وبنى بهم صرح الإسلام والأمّة، فمناسبة مولده كفيلة في فكرتها وانتهازها بأن تجمع شتات الأمّة الإسلامية من جديد، ربّ واحد ودين واحد وقرآن واحد ويوم ميعاد بما فيه واحد، فما الداعي لأن تتفرّق شعوبنا؟ لنلتفت الى مكامن الأعداء فينا، فهي التي حول وحدتنا ولزومها إلى حالة من الفرقة والتناحر والتباغض، من تلك المكامن المُسْتغَلّة من أعدائنا يبدأ الإصلاح، باغلاق باب فتنتهم، حتى لا يبقى لهم باب يلجون منه لإثارة ما من شأنه أن يفرقنا، فلنلبّي نداء الوحدة، فهو كفيل بأن ينقلنا من وضع الضعف والوهن، إلى وضع القوة والقدرة على مواجهة الأعداء والتغلب عليهم، زمن الوحدة قادم، فلنسرع إليه، ولا نضيع وقتنا في انتظاره، وخيرنا من بادر إلى العمل الصالح.

المراجع

1 – الإمام الخميني وإرساء دعائم الوحدة

https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?id=11033&subcatid=1496&cid=486&supcat=6

2 – الوحدة الإسلامية فكر الإمام الخميني

https://almaaref.org.lb/post/17960/

3 – المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، هو منظمة غير حكومية، تتكون من مجموعة علماء الدين في العالم الإسلامي، تم تشكيلها بهدف التقريب بين المذاهب الإسلامية.

https://ar.wikishia.net/view/

4 – سورة الأنبياء الآية 92

5 – كنز العمال المتقي الهندي ج3ص421/ المعجم الكبير الطبراني ج3ص297

6 – نهج البلاغة باب المختار من كتب أمير المؤمنين ورسائله عهد الامام علي الى مالك الأشتر عدد 53 / تحف العقول عن آل الرسول ابن شعبة الحراني ص 126

 

 

mardi 1 août 2023

الثورة الحسينية بين عقْليّتين

 


يبدو أنّ خروج الإمام الحسين عليه السلام على طاغية زمانه مع وضوح أسبابه - استعصى فهمه لدى كثير من المسلمين علماء وعامة، فمنهم من اعتبره خطأ، ما كان عليه أن يقوم به، كابن خلدون في تاريخه، حيث قال: (وأما الحسين فإنه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره، بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم، فيقوموا بأمره، فرأى الحسين أن الخروج على يزيد متعيّن من أجل فسقه، لا يسما من له القدرة على ذلك، وظنها من نفسه بأهليته وشوكته، فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة، وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها..) (1) ومنهم من رآه خروجا عن دين جدّه، وهو رأي أبي بكر بن العربي صاحب العواصم من القواصم، لذلك حكم على ملحمته الكبرى وفدائه العظيم بأنه (قتل بسيف جدّه) (2)، بمعنى أنه مارق وخارج عن السلطان، الذي بحسب رأي ابن العربي شرعي، لا يجوز الخروج عليه، هاذين الرأيين الخارجين عن إطار نهج ولاية الأئمة الأطهار عليهم السلام، وقد أسهما في حصر مواقف أتباعهما، في موضع بعيد عن التفاعل الإيجابي مع الإمام الحسين عليه السلام، وثورته المؤسسة لما بعدها من ثورات إسلامية أقضّت مضاجع الظالمين، وزادهم اقصاءً ما اختلقه الأمويون من روايات، حوّلوا فيها جريمتهم النكراء إلى يوم مبارك دينيا، نجى الله فيه بني إسرائيل من فرعون (3)، فعاشوراء التي قتل فيها سيد شباب أهل الجنة وخيرة أهل بيته وأصحابه عطشا، وقطعت رؤوسهم وحملت على الرماح إلى طاغية زمانه، يوم تبرّك به الخط الأموي الذي مازال يعتمد تلك المختلقات، ويتخذ منها يوم فرح وعبادة تقرّبا إلى الله.

ومن جانب آخر فإن الثورة الحسينية قد استلهم منها الموالون دروسا وعِبَرا، دفعتهم إلى شق طريق مولاهم الإمام الحسين عليه السلام، إيمانا منهم بأن ثورته كانت الغاية منها، إصلاح انحراف أداة الحكم، وفرض القيم الإسلامية في المجتمع، ومحاربة الظلم والظالمين بكل الوسائل والسبل، التي تمكن من القضاء عليهما ممارسات وشخصيات، هؤلاء الذين سلكوا طريق الإمام الحسين عليه السلام، صنعوا من مسيرته العظيمة درب الثورة والثوار، ولم يغادروا دنياهم دون أن يتركوا بصماتهم المضيئة في تاريخ أمّتنا، ومضوا مضمّخين بدمائهم قريري الأعين بما حققوه، مرفوعي الرأس، ومن غباء الطغاة أن رفعوا رؤوسهم فوق الرماح، ظنّا منهم بأنهم سيرهبون بذلك بقية المعارضين لحكمهم الظالم، فجاءت النتائج عكس ما كانوا يأملون من إخضاعهم.

من هؤلاء الثوار من حققوا انتصاراتهم على الميدان، فهزموا عساكر الظالمين شر الهزائم، ونالوا ما يصبون إليه من دفع الظلم وتحقيق العدل، ومنهم من تركوا أثارا بليغة في وجدان وعواطف القواعد الشعبية، فحققوا في المقابل انتصارا معنويا، بإثارة العواطف وشحن الأفئدة والعقول بسيرهم الجهادية المحِقّة، فبقي ذكرهم متداولا لديها، كما بقي الإمام الحسين عليه السلام وذكر عاشورائه، رمزين خالدين أبد الدّهر، بعد أن فشل الظالمون في محوها من ذاكرة الأمّة، يحكيان للأجيال الإنسانية القادمة، قيمة تلك الثورة والتضحيات التي قدّمها صاحبها في ذلك اليوم، عامل اثارة وتحريك لمن نصب وجهه قانتا لله ودينه ورسوله وأوليائه، عملا بقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيمة انتصار الدم على السيف، وإن كانت معنوية، إلا أنّها أشدّ على الظالمين كنتيجة، خصوصا إذا كان قائدها إمام هدى، مثل سيد شباب أهل الجنة عليه السلام، فلا عيش يهنأ للظالمين بعد ذلك، وتظلّ هواجس سقوط أنظمتهم تلاحقهم طوال أيام حياتهم، مع يقينهم بأنّ سقوطهم قادم لا محالة.

إلّا أنه وفي مقابل محصّل ثقافة الثورة الحسينية، التي سكنت في قلوب المؤمنين بحركة الإمام الحسين الثورية وجدواها في نصرة دين الله تعالى، بدفع الظلم  وإقامة العدل في أهله، فقد وُجِد من اتخذ من الثورة الحسينية (فولكلور)، يتّخذوا منه كل عام مجالا للإساءة إلى تلك الثورة، وإن لم يشعروا بما يقومون به نتيجة عدم وعي، حال دونهم ودون أهداف خروج الإمام الحسين عليه السلام على طاغية زمانه، فذهبوا بعيدا عنه - وما كان يصبوا إليه من ثورته الفريدة في مشاهدها التّضحويّة- إلى أعمال لا يمكنها أن تضيف شيئا من الإصلاح في الأمّة، بل لقد أسهمت في إعطاء انطباعات مغلوطة عن الثورة الحسينية لمن لم يستوعب حقيقتها التاريخية.

بين هؤلاء الذين كتبوا عن الثورة الحسينية بأقلام توابع السلطان، فلم يقدروا على قول كلمة الحق بشأنها، خوفا من تبعات ذلك، وبين من اتخذ من مناسبتها مجالا لتفريغ عواطفه – وآمل أن تكون صادقة – خرج علينا مؤمنون أحسنوا فهمها وتطبيقها، فأحيوا قيمها الثورية على مدى أجيالهم، ينسجون على منوالها أمثلة طيبة من الفداء والتضحية، من أجل إبقاء دين الله حيّا في القلوب والمجتمعات، وإصلاح ما أفسده الظالمون، ذلك أن العدل أساس العمران.

وأنت ايّها الموالي ماذا قدّمت لله تعالى ودينه ونبيّه وأوليائه الكمّل؟ لا تذهب إلى الشكليات وما اتخذ منه العوامّ، مظهرا مسيئا لنهج الإمامة الإلهية، فشكّل ذلك عائقا حقيقيا، حال دون فهم بقية المسلمين لحقيقة عاشوراء الحسين عليه السلام، فاتخذوا منه سببا أحجموا به عن اللحاق بركبه، والايمان بثورته، انظر إلى من ساروا بسيرته العطرة على مدى الأزمنة الماضية، وقدّموا أنفسهم وأسالوا دماءهم فقط على ساحات مقارعة الظالمين، فلا مكان آخر يُسال فيه دم التضحية والفداء، غير ميدان المجاهدين المؤمنين حقيقة بجدوى تلك التضحيات، ما يمكن أن أقوله لكم: أتركوا ركب الإمام الحسين بسيرته يتغلغل في عقول وقلوب الناس، فما الحسين عليه السلام سوى ذلك الإنسان العظيم، الذي جعل من نفسه مثالا للإنسانية جمعاء. 

 

 

المراجع

1 – تاريخ ابن خلدون ج1ص170

2 – العواصم من القواصم ص 214/ ذكره المناوي في فيض القدير: من مجازفات ابن العربي أنه أفتى بقتل رجل عاب لبس الأحمر، لأنه عاب لبسة لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل بفتياه، كما ذكره في المطامح، وهذا تهور غريب وإقدام على سفك دماء المسلمين عجيب، وسيخاصمه هذا القتيل غدا، ويبوء بالخزي من اعتدى ولبس ذلك، بأول عجرفة لهذا المفتي وجرأته وإقدامه، فقد ألف كتابا في شأن مولانا الحسين رضي الله عنه وكرم وجهه وأخزى شائنه، زعم فيه أن يزيد قتله بحق بسيف جده نعوذ بالله من الخذلان. ج 5 ص313 / تاريخ ابن خلدون ج1 ص171

3 –  جامع احاديث البخاري كتاب الصوم باب صوم يوم عاشوراء ج3ص44ح2004و2005 وكتاب مناقب الأنصار باب إتيان اليهود النبي حين قدم المدينة ج5ص70ح3942 مسلم كتاب الصيام باب صوم يوم عاشوراء ج3ص149ح1130

 

 

 

dimanche 23 juillet 2023

لم تتأخر الدانمارك في الإساءة تضامنا مع السويد

 


لم تتأخر الدانمارك في الإساءة تضامنا مع السويد

كان منتظرا أن يكون للدانمارك موقع في مشهد حرق نسخ من القرآن الكريم، فهي السباقة بالإساءة لنبيّنا صلى الله عليه وآله، فقد بادرت صحيفة (يولاندس بوستن) الدنماركية بتاريخ 30/9/2005 بنشر 12 صورة كاريكاتورية مسيئة،  ونسجت على منوالها الصحيفة النورويجية   (مقازينت) في 10/1/2006 ثم تبعت ركبهم الحاقد الصحيفة الألمانية (دي فلت)،  والفرنسية  (فرانس سوار) وصحف أخرى تتابعت في نشر الصور المسيئة، وهي مدركة تماما أن ذلك العمل غير أخلاقي ولا قانوني، مستفز  ليس للمسلمين وحدهم، بل لكل إنسان لم تستولي عليه أكاذيب الغرب في اطلاقه للحريات الشخصية، لتمسّ من قيم ومقدسات الناس، فتصيبهم في أعماق معتقداتهم بالأذى المعنوي.

وكردّ فعل سريع واثر تظاهرات شعبية عارمة، أحرقت سفارتي الدنمارك والنورويج في دمشق في 4/2/2006، وأحرقت القنصلية الدنماركية ببيروت في 5/2/2006، كما انتظمت مظاهرات عارمة في عدّة مدن من العالم الإسلامي تنديدا بتلك التجاوزات المعبّرة بوضوح على ما يكنّه الغرب تجاه اسلامنا ورموزه المقدسة، هذا من الجهة الشعبية، أما من الجهة الرسمية الحكومية، فقد أيّدت عدة دول مقاطعة المنتجات الدنماركية، ولا اعتقد أنها التزمت به، فضرر شعوبنا الأول والأخير هي حكوماتنا الخاضعة للغرب، ودول الغرب نفسها تعرف ذلك جيدا، ولا تأبه بقرارتها، لأجل ذلك يستمرّ الاعتداء ولا وقف له في ظل حكومات تقول أنها إسلامية لكنها واقعا أبعد ما تكون عنه.

غضب الشارع الإسلامي وفي مقدمتهم العلماء، امتدّ على طول الخارطة الإسلامية، احتجاجا على نشر تلك الصور، والتمادي في نشرها، تعبيرا عن تضامن الصحف الغربية في اتخاذ ذلك القرار، غير أنّ الذي جاءت به إدارة الصحيفة الفرنسية (شارلي هبدو) كان في منتهى الوقاحة والتحدي، فقررت إعادة نشر تلك الصور، على الرغم مما خلفته من تظاهرات واحتجاجات عارمة شعبية ودولية نصرة للنبي صلى الله عليه وآله، استهزاء بعواطف المسلمين، بل أأكد أنّ المخطط الحقيقي هي توهين عقائد المسلمين أينما كانوا، وخصوصا في الدول الغربية ليعطوا الدنيّة في دينهم فلا يعني لهم دينهم ولو شكلا بعد قبول أعمال الإساءة شيئا، فإن اشدّ ما يخيف دول الغرب، ومواطنيها من ذوي العقلية العنصرية المتطرفة، هو تنامي ظاهرة الإسلام الملتزم بين الشباب المقيم والمجنس هناك.    

لم تكن تلك الإساءات هيّنة لتمرّ مرور الكرام، فقد تعرَّضت الصحف المتورطة إلى جملة من التهديدات، وتمكن شباب من المسلمين الغيورين على نبيهم، من إضرام النار في مقر المجلة في ردّ فعل أوّل، زاد أصحابها إصرارا على إعادة نشر الصور المسيئة مجددا، وفي 7/1/2015 أقدم شابّان هما (سعيد وشريف كواشي) على الهجوم على مقر الصحيفة، أسفر عن مقتل  12 موظفا بداخلها(2)، من بينهم أشهر رساميها برصاص بندقيتين آليتين، وتصايح حلف قريش الغربي نصرة للصحيفة في الهجوم الذي تمّ عليها، فرفعوا شعار (كلنا شارلي هبدو) وهو شعار لا يتبناه مسلم حقيقي ابدا.

وفي إطار التحريض على الإسلام سمحت السويد لشخص مجنّس بالعبث بنسخة من القرآن الكريم ثم احرقها بعد ذلك تحت انظار وحماية الشرطة السويدية، وأعاد نفس الشخص العملية مرة ثانية، ما شجع النسج على منواله مجددا في الدانمارك بلد الإساءة للنبي صلى الله عليه وآله الأول، وهذا النسج على المنوال السيء أسلوب درجت عليه عقلية غربية، لا نشكّ أبدا في كونها مخطط لها، وموجهة من لوبيات صهيونية، متغلغلة في السياسة والاقتصاد الغربي.

اليوم اصطفّت الدانمارك إلى جانب السويد، دفاعا عن باطل ما كان ليكون، لو أن دول الغرب حملت للإسلام شيئا من الاحترام، وكشفت عن وجه حاقد مريض، يختفي وراء ديمقراطية وحرية شعارات غربية كاذبة، لعبت بها دولهم كنظم سياسية مملاة منه، عابثة بمستقبل وحقوق الدّول المفقّرة عمدا طويلا .    

مواقف الدول الإسلامية ظهرت من خلال قرارت حاسمة شعبية وحكومية، صدرت من العراق وإيران واليمن ولبنان وسوريا، فلتتضامن الدول والشعوب الإسلامية امام هذا الاستهتار والتعدّي الغربي، من أجل فرض احترام دينها، وكلما ازداد عدد الدول في القيام بإجراءات فعلية، كلما التقمت دول الغرب حجر إساءاته، وإن استدعى الأمر إلى اندلاع حرب نصرة للإسلام، فمرحبا بها، لم تصرفات دول الغرب تطاق، فقد بلغ سيل إساءاتها إلى ديننا الزُّبَى(1).

المراجع

1 – الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد في صحيفة يولاندس بوستن

https://ar.wikipedia.org/wiki/

2 – القصة الكاملة لرسوم شارلى إيبدو المسيئة للرسول: تجاوزات بحثا عن المال

https://www.elwatannews.com/news/details/4968971

3 – مثل يضرب لمن جاوز الحدّ