dimanche 31 mars 2024

علامة ليلة القدر


 


إذا ذكرت عليا عليه السلام، قفز لقب ظل يلاحقه، ويلتصق باسمه دون غيره ،ممن تسموا خلفاء، بلا استخلاف من صاحب الحق في التعيين والإستخلاف، فلقب الإمام لم يلق بأحد من أولئك إلا به، ولو قسته على غيره ممن غصب الحكومة، أو أخذها بالمكر والخديعة، لكان مستهجنا له متنافرا معه، الإمام علي عليه السلام، وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخوه بالمؤاخاتين، وصاحب سره ونجواه، وباب علومه، لم يفد أحد الأمة بعد رحيل نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، بقدر ما أفادها هو.

  وقد يقتنع العاقل بهذه الحقيقة ويلتزم بها، ولو أنها ليست ذات بعد استدلالي كبير، غير أن المؤمن الذي وطن نفسه على طاعة الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لا بد  له من الإقرار بحقيقة تلك المقارنة، على المستويين النظري الذي سقناه الآن، والتطبيقي الذي مارسه أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام، كنموذج للمؤمن الكامل، الذي واسى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وكإمام للأمة بعد وفاته، ومرجعا أساسيا، آوى إليه المتحيرين من أبنائها، فلم يمنع معينه الصافي، حتى عن خصومه الذين عاش بين ظهرانيهم، وأكثر من ذلك كله، بقي علي عليه السلام على مدى الدهر، مخزونا متواصلا من العطاء والعلم، من خلال ما ترك لنا من سيرة وخطب وحكم، وما اعدمه الظالمون وعفا عنه وعاظهم، كان أكثر مما وصل إلينا.

وتفرد علي عليه السلام في الأمة، كتفرد ليلة القدر في شهر رمضان، وفضيلته تماما كفضيلتها، وتميّزه كتميّزها، عن سائر الليالي المباركة من الشهر الكريم.

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان، هو من نفحات الباري تعالى التي يسرها لعباده، وفرض صيامه على كل مسلم ومسلمة، وجعل أجره في علمه الذي لم يطلع عليه أحد من خلقه، وكلف نبيه  بحث المؤمنين على تعهده صياما صحيحا، وعبادة وذكرا وتهجدا مليحا، ليعتبره من يعتبره تداركا، ولينظر إليه من ينظر، محطة لتصحيح المسار في كل عام، وليتعلق بأطرافه من شاء أن يزداد قربا، وتواصلا بالله سبحانه وتعالى، وسماه شهر الأمة، وجعل في العشر الأواخر منه، ليلة هي خير من ألف شهر، ووصّى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالإشارة إليها دون تحديد ، فقال:" التمسوها في العشر الأواخر." وزاد توضيحا عندما أشار إلى أنها :" في الأيام الفردية العدد."

وأخذ عنه أهل بيته عليهم السلام، والمسلمون من ورائهم، فشمروا على ساعد  الجد والاجتهاد، وعملوا بمقتضى نصيحته، التي لم يألو لهم فيها جهدا.

إذا جاء شهر الأمة بعد شهر الله جل جلاله رجب، وبعد شهر النبي الأكرم شعبان، ليكون المحطة التي يتزود منها المسافر لرحلته الكبرى، وفي ليلة القدر زينه بالثقلين: بالكتاب الذي أنزل فيها، وبالإمامة التي هي اللسان الناطق، والعين الساهرة، واليد المثبتة، والعقل الجامع للعلوم، التي تحتاجها البشرية في بقية مسيرتها.

 وتميز ليلة القدر، جاء من خلال أمر غيبي لا نعلمه، ومن خلال ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من أن تشريفها، جاء من اختيارها، كزمن تجلت فيه ألطاف الباري تعالى بنزول تشريعه، وتحقق سريانه في عناصر، أبت إلا أن تجعل الله تعالى نصب عقولها وأفئدتها.

ولقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام، النقطة المضيئة والعنصر المثال بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رغم تنكر الأمة له، وانقلابها عليه، فلم يزده ذلك إلا إصرارا على المضي قدما، في إنفاذ وصايا أخيه خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، حفظا لبيضة الدين، وصونا لها من التلف والضياع.

صحب الدنيا ببدن روحه معلقة بالمحل الأعلى، هكذا كان أبو الحسن عليه السلام يتحدث عن المؤمنين من أتباعه، وكذلك كان شخصه ومثاله بين الناس .. إذا أراد أن يعرفهم صفة المؤمن بدأ بنفسه، فتحدث عنها كأنها صفحة أمامه، بعدما طوعها لذلك العمل، حتى أنست به وتعودت عليه، لأنه كما وعى عن سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم وعمل به :" من عرف نفسه فقد عرف ربه".. كان دائما يعطي من نفسه المثل، ليحذو حذوه العاملون، ويقتفي آثاره الراغبون في نيل الرضا، والقرب من الله سبحانه وتعالى.

عرف علي عليه السلام الإسلام يافعا، فلم يخالط عقله من أدناس السوء، ولا لبس من أرجاس الجاهلية شيئا، فمضى بتلك الطهارة، سالكا أثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مسلكا لم يسلكه أحد قبله، ولا باستطاعة أحد أن يسلكه بعده، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقابل ذلك الطوع، حيال تلك الإرادة الفذة، يغذوه من عبق الوحي وأريج النبوة، علما جما لم يسعه صدر أحد غيره، فتلاقح وفاض بين جوانحه، وكان من فرط انشغاله على ما يحمل يقول: إن هاهنا لعلما جما لو وجدت له حملة.

وكان يراوح بين ذلك بقوله:" سلوني قبل أن تفقدوني."

بالعلم يكون العمل، ومن الفقه تأتي المعرفة والدراية بالعبادة، وجميع التكاليف التي جاء بها الوحي، وفي هذا المقام كان علي عليه السلام وحده، لم يتميز عليه غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو تدبرت سيرته التي حدث عنها الموالي والمعادي، لوجدت تفردا في شخصيته، وندرة لم  تأت عن فراغ، وإنما جاءت بعد جهد وكدح، لا يطيقه إلا من نصب وجهه إلى الله تعالى، ولم تشغله دنيا ومتاع عن المنهاج الذي خطه لنفسه وآخرته.. وعلي عليه السلام كان كما وصفنا وأكثر، من ذلك المعدن الصافي الذي لا يتبدل، والماء المعين الذي لا بتكدر، والقمة الشماء التي لا يرقى إليها الطير..

عبد الله تعالى مع رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، قبل أن يعبده الناس بسبع سنين، بعد أن عرفه بعقله، وتقرب إليه بفكره، في وقت كان الذين يطلق عليهم كبار الصحابة عاكفون على أصنامهم، آخذون بأسباب الشرك، منغمسون في الآثام إلى أخمص آذانهم .

تشرف بالتوحيد الخالص، وحضي باهتمام ورعاية وتربية وتعليم سيد الخلق، أبي القاسم المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان الصديق الأكبر حين لا أحد  صدّقه، في فترة امتدت طوال إنذار عشريته، وتبليغ قرابته، والسابق إلى الحق بإذن ربه، ومباركة أبيه مؤمن آل بني هاشم أبو طالب عليه السلام، الذي أبى إلا أن يكون الدرع، الذي تكسرت عليه عزائم أبي سفيان وحزبه، في النيل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والناصر لدينه الخاتم، كافل اليتيم الذي تحدث عنه صلى الله عليه وآله وسلم وبقوله: (سأدخل أنا وكافل اليتيم إلى الجنة كهاتين.) وقرن وسطاه وسبابته.

مثلت العبادة والقرب إلى الله تعالى، حجر الأساس في حياة علي عليه السلام، وكان فهمه لها غير فهم غيره، ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا قلة قليلة ممن تبعه على فهمه وتربيته، فقد أخذ فيما أخذ عن خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم:

-         "العبادة سبعة أجزاء أفضلها طلب الحلال."

العبادة ليست حصرا في الصلاة والصيام والحج والجهاد، وغير ذلك من الأحكام، وإنما تتعداها إلى كلفة أوجه الحياة، إذ لا معنى للصلاة، إذا لم تكن حركات البدن منسجمة مع الروح، وتكون آثارها ظاهرة في أعمال المتعبد، من استقامة وخدمة للناس، وعمل الخير مهما قل أثره.

عبادة الله كما يراها أمير المؤمنين عليه السلام، وكما عكف عليها طوال حياته، تبدأ من صفاء النفس، وصدق النية، وتنتهي بالحركة الايجابية، وسط هذا الكون من اجل نشر الخير وقطع دابر الشر. 

عرف علي عليه السلام ذلك المعنى، قبل أن يطلقه في الناس، وخاض تجربته، قبل أن يتفوه به، إيمانا منه بأن من نصب نفسه علما للناس وهاديا، فليبدأ بتربية نفسه قبل تربية غيره، وأن يعطي من نفسه المثال والقدوة، قبل أن يأمر غيره بشيء لم يتحقق منه، فعلي عليه السلام كله عبادة، وكله جهاد، وكله علم، وكله عمل، إذا لم يكن له شغل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انطلق إلى عمل آخر يفيد الناس، فقضى وأصلح وعلم وواسى ، لم يترك باب من أبواب الخير الا طرقه ودخله، وأخرج فائدته للناس.

حفر الآبار، واستصلح الأراضي، ثم أعطاها للمحتاجين، فاغبر بسبب ذلك وشعث، والتصق التراب ببدنه، حتى لقبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بابي تراب، وجاء أعداءه برواية تميّع لقبه، وتوهن ذلك الوسام العظيم الذي منحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، وجاءوا بعدد من الروايات المتناقضة في هذا الخصوص، منها ما نقلوه عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يبق عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإنسان انظر أين هو؟ فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع، قد سقط رداءه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمح عنه ويقول: قم يا أبا تراب.

افتعل المبطلون والمحرفون خصاما لا أصل له، بين علي وفاطمة الزهراء عليهما السلام، ليشككوا في عصمة هاذين الطاهرين، وليطمسوا السبب الأصلي، الذي دفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تسمية علي عليه السلام بأبي تراب.

والذين حاولوا خلق غميزة في حياة هاذين الزوجين العظيمين، الذين زوجهما الله سبحانه وتعالى في ملكوته الأعلى، قبل أن يزوجهما النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في مدينته، وبين صحابته- الذين تسابقوا إلى نيل ذلك الشرف، وبذلوا ما بذلوا من أجل تحقيق ذلك، ولكنهم خابوا في نهاية المطاف- لم يكونوا قاصدين غير الرد على الله تعالى، وتنكرا لآيته الكريمة، التي أظهرت تميز علي وفاطمة عليهما السلام: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."

لأن من حباهم الله تعالى بتلك الكرامة، وجعلهم خاتمة صفوته، وأفضل عباده المخلصين، لا يمكن أن يتخاصموا، ولا أن يغضب بعضهم بعضا، خاصة وهم من طلقوا الدنيا فلم يعد يعنيهم منها، إلا بقدر ما يجيزهم بسلام إلى الآخرة، فأين الغضب الملفق إذا، يا من أمرتم بمحبة أهل البيت عليهم السلام وموالاتهم، وجعل ذلك فرضا عليكم، ستحاسبون عنه يوم القيامة، لأنه أجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في مقابل أدائه الرائع في دينه الخاتم الذي نعيش بركاته؟ من منكم يريد أن يبهت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقه، في أن يأخذ أجره منا ؟ ومن يستطيع ذلك؟

آبار علي موجودة إلى الآن، يحرم منها الحاج القادم من المدينة، إلى بيت الله الحرام، تشهد على أن لقب أبي تراب، لم ينله علي عليه السلام مجاملة ولا ترضية، ولو كان كذلك لما كان له معنى، وإنما جاء عن كد وجهد شديدين، لصالح أولئك المستضعفين، الذين كان يؤازرهم ويؤازرونه، ويألفهم ويألفونه، بقي علامة تشهد على عظمة علي عليه السلام .

العارف بحقيقة النشأة وعلة الخلقة، لم يستنكف عن شيء يرضي الله تعالى، فنال لقبا حقق له العبودية الصحيحة لله تعالى، وهو الذي كان يردد:" لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا."

وكان من دعائه:" الهي كفي بي عزا أن تكون لي ربا، وكفي بي فخرا أن أكون لك عبدا، أنت كما أحب فوفقني لما تحب."

      -"أفضل العبادة عفة البطن والفرج."

من هذا المنطلق كانت عبادة علي عليه السلام، وجاء سلوكه حيال الدنيا ومتاعها، الذي لم يكن ليستهويه يوما من الأيام، رغم تمكنه منها، وانقيادها له، واستسلامها لإرادته.

عن ضرار بن حمزة الضبائي من حديث له في ذكر علي قال: فاشهد لقد رايته في بعض مواقفه وقد ارخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا يا دنيا اليك عني، أبي تعرضت؟ أم الي تشوقت؟ لا حان حينك، هيهات غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها فعيشك قصير وخطرك يسير واملك حقير، آه من قلة الزاد وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد.

كانت بيت المال تزخر بأنواع المتاع، وكان يمكنه أن ينال منها نصيبا، لا يتعارض مع العطاء الذي كان يعطيه لغيره من الناس، لكنه لم يفعل ذلك، حتى لحق بالرفيق الأعلى، عفيف النفس، زاهدا عن زينة الحياة الدنيا والطيبات من الرزق، وكان مكتفيا طوال حكمه بأكل الجشب (الشعير ما شابهه من طعام خشن)، وآثر أن يأكل من أدون الطعام، حتى لا يكون هناك في الرعية أقل حظا من الدنيا منه.

ومنه عليه السلام أخذ المتصوفة طريقتهم في التعامل مع الدنيا، لكنهم عموا في أن يقتدوا به حقيقة من ناحيتين :

الناحية الأولى: زهد علي عليه السلام في الدنيا، لم يدفعه إلى تركها، بل قارعها وتمكن منها حتى استكانت له، ومع ذلك لم يلتفت إليها، ومكن غيره منها، مفسرا الزهد بقوله :" ليس الزهد في أن لا تملك شيئا، ولكن الزهد في أن لا يملكك شيء."

الناحية الثانية: شمولية عبادة علي عليه السلام، والتي لم تقتصر على الذكر والصلاة والصيام الاعتكاف والحج، دون بقية العبادات، المتعلقة بالعلاقات مع الناس من جميع نواحيها، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.  

-         "  ليس العبادة كثرة الصيام والصلاة ، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله."

عبادة علي عليه السلام لم تكن ليسعها زمانه، ففاضت على العالمين إلى أن تقوم الساعة، هو الذي أرسى دعائم الدين بسيفه، وجاهد في الله تعالى حق جهاده، ولم يثنه في ذلك إن كان في قلة أم كان في كثرة، وثبت في مواطن ضاقت الأرض بما رحبت على غيره، وبلغت قلوبهم الحناجر، وفر أكثرهم، فلم يزده ذلك إلا إصرارا على المضي قدما، طلبا لإحدى الحسنيين. 

"من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه."

لقاء علي عليه السلام مع الله تعالى، ليس ككل موعد ولقاء، كان يغيب عن الأنظار ليخلو بربه ويناجيه، يعبده ويتقرب إليه في السر والعلانية سواء، وفي السلم كما في الحرب، وفي الليل كما في النهار، ذلك دأبه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك خياره من بعده، والروايات التي تحدثت عن تلك الخلوات، بينت ما تميز به أمير المؤمنين عليه السلام، من نفس عارفة وموحدة، ومدركة لسر الوجود وحقيقة الخلق، ولشفافية نفسه كان مطلعا على حقائق وعلوم، لم يتشرف بها غيره، ولم يكن من السهل على الأمة آنذاك أن تجاري عليا عليه السلام، في نسقه مع الحياة بكافة تفاصيلها، ولا في معارفه التي لم تدركها العقول القاصرة، وما أكثرها، فمضى وحيدا في قلة قليلة من خاصته وشيعته ، ممن رباهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حبه وحب من يحبه، فحب علي عليه السلام كما عرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيمان، وبغضه نفاق، وتلك حقيقة تفرد بها عن غيره، وميزة تميز بها على من سواه .

من هنا جاء تناغم روح علي عليه السلام، وتألفها لذات الله تعالى دون المخلوقات، وجاء نداء الباري جل وعلا، ليعلن نتيجة ذلك بقوله :" يحبهم ويحبونه" وصدع بتعريفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عندما قال في غزوة خيبر، وقد استعصت على كل الذين أرسلهم لفتح الحصن الأكبر:" غدا أبعث الراية مع رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله."

ولئن استشرف لها من استشرف، وتطاول لها من تطاول، كما تقول الرواية، إلا أن الجميع كان يدرك لمن المقام، ويعي من سيكون الفتح على يديه، فعلي عليه السلام لم يغب في حاضر ولا مخيلة أحدهم، ولا هو رجل طلع نجمه فجأة هكذا وبدون مقدمات، كان  الحسد وحده هو الذي غيب عليا عليه السلام عن مقامه، والجاهلية التي تبرأ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وحارباها، هي التي وقفت في وجه علي عليه السلام، واستفردت به في غفلة من الزمن، وطارق من الأحداث، وحالت دونه ودون إقامة حكومة العدل الإلهي. ولما يئس علي عليه السلام من أن يعود إليه حقه، التفت إلى الذين يريدون لقاء الله تعالى، فعرفهم الطريق، وأنار لهم الدرب، فتعلموا منه الوجهة والمقصد، واخذوا عنه معالم دينهم، كما جاء عن أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتزودوا من خير زاده لرحلاتهم، وكان زاده أكبر من أن ينفد، فتلاقفته الأجيال المؤمنة بولاية أهل البيت عليهم السلام على الأمة، وحملت ثقله حمل مسئول عارف، وعرفوا حقيقة كيف يتاجرون مع الله سبحانه وتعالى التجارة التي لا تبور.

نشأت علاقة علي عليه السلام مع ليلة القدر، من خلال الأجواء الروحية التي كان يضفيها على جميع أنواع العبادة، بل لقد جعل علي عليه السلام حياته كلها عبادة، تأسيا بأخيه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، غير ملتفت إلى الجهد والمعاناة التي كان  يلقاها من جراء ذلك، لأن الجهد والمعاناة في سبيل الله تعالى، يتحولان من الألم إلى اللذة ، ومن التعب إلى الراحة، التي تزيد الروح إشراقا وقربا.

لذلك فإنه ليس غريبا أن يكون تأويل سورة القدر، كما كان متداولا في بداية تحول ما سمي بالخلافة إلى ملك أموي، من أن الألف شهر هي مدة الحكم الأموي، لا تزيد ولا تنقص ، وقد ذكر من ذكر من المفسرين ذلك أمثال الطبري والسيوطي.

 أما ليلة القدر، فلم يلتفتوا إلى تأويلها، والتي لا تكون إلا البديل المرضي، الذي ميزه سبحانه وتعالى عن الألف شهر، وهي حكومة علي والأئمة الأطهار من ولده عليهم السلام، هي الوحيدة التي يمكن أن تكون خير من ألف بديل غير إلهي دونها، وان قصرت مدتها وضاق مجالها بسبب خذلان الناس وجهلهم بحقيقتها .

دعني أستوقفك أيها القارئ العزيز لأسألك: بعد ان عرفت عليا وبعضا من خصائصه، هل تزودت من معينه ؟

إذا كنت على المنهاج المعرفي، فأعتقد أنك على درب معرفة ما يختزله الرجل من طاقات ومعارف، خاصة إذا حصلت لديك قناعة أنه باب مدينة علوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك فإنني أجزم بأنك تود أن تتعرف على بعض مخزونه، وتستفيد من بقية آثاره، التي نجت من براثن الظالمين لحقه، وحق أهل بيته عليهم السلام، في هداية و قيادة الأمة، ولعل دعاءه ومناجاته اللذان بين ايدينا، يدلان على مقامه العالي، فدعاءه الذي علمه لكميل بن زياد النخعي، يبقى تلك الحالة الروحية، التي لم يصلها مؤمن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيره ..

وجد أمير المؤمنين كميلا أهلا ليحمل دعاءه، فأعطاه إياه، ومضى به كميل، مضي الأمين الواثق بقيمة ما حمله أبو الحسن عليه السلام، واستطاع من خلاله أن ينتشر في أوساط المؤمنين، ويتعهدوه جيلا بعد جيل، إلى أن وصل إلينا غضا طريا، يحمل بين طياته تقوى وعلم ونفحات علي عليه السلام

"...أسألك بحقك وقدسك، وأعظم صفاتك وأسمائك، أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة، حتى تكون أعمالي وأورادي كلها وردا واحدا، وحالي في خدمتك سرمدا، يا سيدي يا من عليه معولي، يا من إليه شكوت أحوالي، يا رب.. يا رب.. يا رب، قو على خدمتك جوارحي، وأشدد على العزيمة جوانحي، وهب لي الجد في خشيتك، والدوام في الاتصال بخدمتك، حتى أسرح إليك في ميادين السابقين، وأسرع إليك في المبادرين، وأشتاق إلى قربك في المشتاقين، وأدنو منك دنو المخلصين، وأخافك مخافة الموقنين، وأجتمع في جوارك مع المؤمنين..."

لقد أعد علي عليه السلام نفسه للقاء الله تعالى، كأحسن ما يكون الاستعداد، وتجهز لرحلته خير جهاز، ووطن نفسه على السفر الطويل، وتعامل مع ذلك الحدث تعامل المؤمل له في كل لحظة، فطاب كل منهما لصاحبه، وكما أخبره بذلك النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، خرج صباح اليوم التاسع عشر من شهر رمضان من سنة 40 هجرية، لصلاة الصبح بمسجد الكوفة، وكانت يد الغدر اللعينة متربصة به، هو يريد عطاءها، وهي تريد الفتك به، في أحد بيوت الله، وفي محراب من محاريب الله، أريق دم شهادة أمير المؤمنين علي عليه السلام، فلم يملك نفسه في تلك اللحظة إلا أن قال: "فزت ورب الكعبة"

أراد علي عليه السلام أن يعطيهم من نفسه المثال والقدوة، أراد أن يمنحهم نهجه الذي ارتضاه لنفسه ورضيه الله تعالى له، فلم يقبلوا منه ذلك، بل أرادوا إنفاذ مشيئتهم وإرادتهم عليه، فكان يصبر على ذلك، امتثالا لوصية أخيه خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، وفي كل مرة يمني نفسه بصلاح الأمة، ولما طال بها أمد التجاهل الاستخفاف، طلب من الله أن يستبدله بما هو خير له منها، وكان القضاء على يدي أشقى الأشقياء لعنه الله. 

وفي الليلة الواحدة والعشرين، عرجت روح أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بارئها، راضية مرضية، اختار لها خالقها للرجوع إليه، في  ليلة ليست ككل الليالي، في ليلة هي  خير من ألف شهر، ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن هدى للناس، و بينات من الهدى والفرقان، وقد كانت قبل شهادته محل تساءل وبحث، الليلة المباركة التي إزدانت بروحه الطاهرة، بعدما تشرفت من قبل بنزول الوحي، وتشرف القرآن بأن يكون عليا وعاءه الناطق صدقا وعدلا، كما اوصى بذلك الوحي، واخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تركت فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعد أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

مضى أمير المؤمنين عليه السلام إلى بارئه، والتحق بمن سبقه من الطاهرين، تاركا للأمة علما جما وسيرة أقامت عرى الدين، ووثقت أواصره، وذرية لقبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بريحانتيه، وأخبر أنهما سيدا شباب أهل الجنة، واستودعهما ميراثه وعلومه. 

دعني أخيرا أقول لك: هذا علي عليه السلام وهذا ما ترك، فماذا ترك أولئك الذين أداروا ظهورهم عنه، وقلبوا له أمر الأمة حتى استعصت عليه؟

لا أعتقد أن المقايسة ستكون منصفة، لأننا سنظلم عليا عليه السلام عندما نقيسه بنظائر، لا تساوي التراب الذي مشى عليه.

أليس غريبا ومستهجنا على أفراد الأمة، أن يجهدوا أنفسهم في طلب ليلة القدر، وتمني موافقتها، ولا يجهدون أنفسهم في التفقه في دينهم ، ومعرفة أحكامهم ،المكلفون بتطبيقها تطبيقا صحيحا، وعلى وجه الخصوص أكبرها وأعظمها، وهي مسألة القيادة، والبيعة الواجبة لها؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية." وبمعنى آخر:" من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية."؟

ألا يرون أن هذا التكليف يفوق بقية التكاليف، بل يلغيها عند فقده، وينسبها إلى الجاهلية؟

نحن نرى اليوم، أن أجيالا كاملة تتعاقب في نسق تنازلي إلى هاوية الجاهلية، بإعراضها وتجاهلها لتكليف معرفة الإمام الواجب طاعته، وأداء البيعة له، فلماذا لا نلتفت إليه كما نلتفت إلى ليلة القدر؟ فنكون بذلك قد جددنا العهد مع الله تعالى، في تثبيت أركان طاعته.

ويبقى الإمام علي عليه السلام كليلة القدر، مجهولا عند أكثر الناس، ومعلوما عند القلة القليلة، ليكون بحق ذلك النبأ العظيم الذي فيه الناس مختلفون.

 

samedi 10 février 2024

إيران .. حصيلة تاريخ يستدعي الإهتمام

عشرة أيام تفصلنا عن ذكرى انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، وهي الأيام الحاسمة التي سبقت الحدث الفريد من نوعه في عصرنا، ويطلق عليه أهل الولاية في إيران بعشرة الفجر المباركة، مُفْتتحها بدأ بعودة قائد الثورة الاسلامية الإمام الخميني رضوان الله عليه من منفاه الأخير بباريس إلى طهران، ليكون إلى جانب أبنائه في مقارعة نظام العمالة لأمريكا والغرب، قريبا منهم مرشدا وموجّها لهم في ثورتهم، وهي سابقة في تاريخ ثورات في العصر الحديث، لم يكن قائد غيره ليجرؤ عليها.

منذ ذلك الحين وإلى اليوم، تكالبت القوى المعادية للإسلام، من أجل ضرب هذا النظام الفتي، الذي قام بارادة شعبية منقطعة النظير، فحيكت ضده المؤامرات الخطيرة، وحوصر اقتصاديا من أجل استنفاد موارده، وأسيء إليه سياسيا بمختلف الادّعاءات الباطلة، وحورب عسكريا ثماني سنوات (1980/1988) بلا هوادة، استعمل فيها المعتدون على أرضه وشعبه الأسلحة الكيماوية المحرّمة دوليا، أرادوا إعلاميا أن تكون في ظاهرها حرب اقليمية بين نظام البعث العراقي والنظام الاسلامي في ايران، ولكنها في الحقيقة كانت حربا أمريكية غربية بالوكالة، بعد التغيير السياسي الجذري الذي طرأ على إيران، تلك الحرب العدوانية وقع تمويلها من طرف عملاء أمريكا من دول الخليج، من أجل إسقاط النظام الإسلامي، باعتبار بقائه يشكل خطرا يتهدّد عروشهم، من أنْ تتأثّر شعوبهم بالثورة الإسلامية المباركة.

أمريكا وحلفها الغربي الصهيوني، بعد أن أعلن النظام الإسلامي مبادئه التحرّرية واضحة، من خلال قطعه مع سياسة نظام العمالة، بعمليتي احتلال وكر الجاسوسية في طهران، واحتجاز طاقم السفارة الأمريكية رهائن لدى الطلبة الإيرانيين الثوريين 444 يوما(1)، وطرد بعثة السفارة الصهيونية من طهران، وتسليم مقرّها الى منظمة التحرير الفلسطينية، بعنوان سفارة فلسطين(2)، لم يهدأ لها ولتوابعها بال، فهُم إلى اليوم يحاولون كبح جماح تمرّد إيران عليهم دون جدوى، بعدما استنفدوا جميع طرق ترويضها.

لم يبادر الامام الخميني رضوان الله عليه الى تكليفه الشرعي بقيادة شعبه، إلا وهو يحمل نظرية واضحة للحكم الإسلامي، أساسها ولاية الفقيه العادل، هذا الهدف السامي في مقاصده، وإن كان يتمناه الفقهاء العدول للمسلمين الشيعة الامامية الإثني عشرية، إلا أنهم لم يحركوا ساكنا تجاهه، بل إن هناك من العلماء من عارض الامام الخميني في قيامه بتكليفه كفقيه جامع لشرائط الفقه، وقيادته لثورة شعبه، مُعتبرين عمله غير شرعي، ومازال من هؤلاء العلماء إلى اليوم من هو متشبّثٌ بفكرة الإنتظار السلبي للمولى صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه.

بدخولنا هذه الأيّام في مجال ذكرى عشرة الفجر، نقترب من مختتمها اليوم 11/2/1979 تاريخ انتصار أعظم ثورة في القرن العشرين، أربعة عقود ونصف مرّت بحلوها ومرّها، لتؤكّد مجدّدا رسوخ هذه الثورة، وتجذّر شعبيّتها بين الأوساط الإيرانية، ما يزيد تأكيدا للعالم بأسْرِه، بأنّ جذورها عميقة وحاضنتها قويّة، وهذا النظام الإسلامي الذي يقود ايران، ملك جناحين يطير بهما متحدّيا أعداءه، جناح إرادة وحكمة كسرتا كل عائق وليّنتا كل صعب، ووفاء شعب آمن بصدق وحقانية نظامه، لذلك فهو دائما على أهبة الاستعداد لتقديم مزيد من التضحيات لتحقيق أهدافه.

مسيرة إيران لم تكن سهلة كما أسلفت الذّكر، ورغم كل العراقيل والعقوبات والدعايات المغرضة التي تعرّضت لها، فقد أثبتت نجاحات كبيرة وتطوّرات هامة، على جميع الأصعدة العلمية والإقتصادية، المدنية منها والعسكرية، ولمن غُيّبت عليه إيران الإسلامية ومسيرتها الثورية، مسيرة التحدّي التي قطعها شعبها ونظامها، يجْدُرُ بي أن أستعرض أرقاما مبرْهِنَةً على صحّة هذه النجاحات، فماذا حققت ايران على مدى 45 سنة من انتصار ثورتها؟

فعلى الصعيد المعنوي - وهو لا يقلّ أهمّية على المادّي - فتحت مجالها الفكري الثوري، لينهل منه المسلمون التواقون إلى الحرية والإنعتاق الحقيقي من نير الإستعمار، وقد نشات بسبب ذلك التأثّر بأفكار الثورة الإسلامية، حركات تحررية في لبنان وفلسطين واليمن، نَمَتْ وتطوّرت برعاية إيرانية واضحة، وهي اليوم تشكل رقما صعبا في المنطقة، قابلا للتطوّر في كل مكان يوجد فيه استضعاف شعب.

أما على الصعيد المادي، فبدأ من العلوم وتحصيلها، وهي من أبواب التطوّر التقني في جميع المجالات، فإنّ إيران طوّرت مناهجها التعليمية ومعاهدها، لتجني من وراء ذلك ارتقاء جامعات إيرانية، لتصبح ضمن الترتيب العالمي لأوائل المؤسسات التعليمية العليا في العالم، فقد (أعلن رئيس معهد الاستشهاد والرصد للعلوم والتكنولوجيا (ISC) في إيران( أحمد فاضل زاده)، عن تصنيف 46 جامعة إيرانية ضمن قائمة الـ 1411 للجامعات المتفوقة عالميا، حسب تصنيف "لايدن" لعام 2023.(1)

وقد نجحت ايران من خلال تطوير مناهجها التعليمية، في فتح آفاق ومجالات صناعية واعدة للمهندسين الإيرانيين المتخرّجين من معاهدها العليا، والعائدين من دراستهم بالخارج، فقد حوّلوا بلادهم الى قطب صناعية واعد، وايران اليوم تصدّر منتجاتها المتعددة إلى دول العالم، وهي منتجات متعددة سوف أتناولها باختصار، (في النصف الأول من العام الماضي، شهدت القطاعات الصناعية جميعها في البلاد نموًا إيجابيًا، باستثناء ثلاثة قطاعات، وسجلت صناعات إنتاج المركبات، وصناعات إنتاج المصنوعات اليدوية، وصناعات السيارات أعلى مستوى من النمو، ما نسبته 57 و22 و21٪ على التوالي. في حين تمتعت الصناعات الخشبية والمشروبات والمعادن الأساسية بمعدل نمو عالي).(3)

وكانت الحرب العدوانية المفروضة على ايران، حافزا لدخول مهندسيها وخبرائها ميدان تصنيع الأسلحة بمختلف أنواعها، بعد أن امتنعت الدول المصنعة لها عن بيعها، ورُبّ ضارة نافعة، فقد بلغت إيران اليوم مستويات عالية ورفيعة، أهّلتها لتكون من بين الدول الكبرى، في صناعة الأسلحة المتطوّرة برّا وبحرا وجوّا، ولولا هذا التطوّر التقني في مجال الدّفاع لما أمكن تحقيق الأمن داخليا وخارجيا، والبلاد التي لم تمتلك أسلحتها للدفاع عن أراضيها وشعبها وأهدافها، تبقى فريسة سهلة بين يدي الدّول الإستكبارية وفي مقدّمتها أمريكا.

تطوّر لافت لإيران رغم العقوبات والحصار والمؤامرات، منه صناعة الأدوية المتطورة، ولها اكتفاء ذاتي في مجال الطبّ وعلاجاته، قمّة ما توصّلت إليه ايران برنامجها الفضائي، وإطلاق الأقمار الصناعية بواسطة صاروخها سيمرغ الحامل للأقمار، قادم الزّمن سيشهد لها مكانة مرموقة في هذا المجال، ترقّبوا إيران خصوصا في مشروعها لتحرير فلسطين، فإن مجال المقاومة الكيان الصهيوني الذي احتضنته، سيكون حاسما في تخليص شعبها من أسوأ احتلال على مرّ التاريخ.

مرت 45 عاما على تحقّق وعد الله بانتصار قوم سلمان المحمّدي، وقد بلغت إيران اليوم مكانة لم يكن أحد يتوقّع وصولها إليها بهذه السرعة، في تحدّ متواصل لم توقفه عقبة، مُبشّرا بغد أفضل مما وصل إليه الإيرانيون، وإن كان ما وصلوا إليه كافيا لإثبات عزّتهم، إلا أنّ سقف طموحاتهم أعلى وسيبلغونها قريبا.       

المراجع

1 – زي النهارده .. 42عاما على ذكرة اقتحام السفارة الأمريكية في إيران

https://www.youm7.com/story/2021/11/4/

2 – السفارة الفلسطينية في طهران، بدلا من الاسرائيلية

https://www.irannewsagency.net/2023/10/15/

https://www.tasnimnews.com/ar/news/2023/07/01/2919188/46-

3 – ما هي الصناعات الإيرانية الأكثر ازدهارا على مدى العقد الماضي

https://mdeast.news/ar/2023/01/14/

 

 

 

 

 

 

jeudi 25 janvier 2024

ماذا يعني حبّ علي عليه السلام؟

 


لم يختلف المسلمون طوال تاريخهم في شخص، مثلما اختلفوا في علي بن ابي طالب عليه السلام، فمنهم من بخسه حقّه، وتفاوتوا في ذلك البخس، بين من رآه كبقية كبار الصحابة لا يزيد عليهم في شيء، وبين من بلغ به البغض مبلغ انكار أغلب خصائصه، التي خصّه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء هم الغالبية من عامة المسلمين، وذلك عائد إلى جهلهم بما جاء في سيرته من سبق إلى دين الله، وعطاء وبذل وتضحية في سبيله، لم يجاريه عليها أحد، استأناسا باتباع مناهج حكامهم الظلمة، إتّباع المُكره الذي لا حيلة له، والمُضطر الذي لجأ إلى التّقية، والطامع بما في أيدي هؤلاء الظلمة  من متاع يرجو نواله منه.

ومنهم من أعطاه بعض حقّه، وهؤلاء هم نسبة قليلة من المسلمين، عرفوه من خلال ما كُتِب من معلوم سيرته، رغم ما لحقها من طمس وتغييب، فآمنوا به إماما ووليّا وقائدا، وعملوا على نهجِ سبيله قدر الإمكان، لأنّها سبيل وعرة المسلك، محفوفة بالأشواك زاد سالكيها الصّبر والأناة، فلقيهم ما لقيه من تسقيط واستهانة، وحفّتهم المخاطر من كل جانب كما حفّته طوال حياته، ونالهم ما ناله من العناء، وكانت خاتمة أغلبهم خاتمة واحدة هي الشهادة، وكأنّ ذلك قدرُ مقْدور على خاصة أوليائه وباقي شيعته، ومنهم من أعتبره فوق البشر فأحلّه مقاما أنكره في حياته، محذّرا من مغبّة تأليه لا ينبغي إلا لله وحده، وهؤلاء والحمد لله هم قلّة القلّة، اندثروا فلم يعد لهم وجود منذ أن صاح بها صائحهم، ولم يؤلّه هؤلاء القلة عليا إلّا لأنهم شاهدوا منه ما لم تسعه عقولهم، ولم تستوعبه أفهامهم، فقالوا فيه ما قالوا، وسلكوا إليه مسلكا خاطئا.

والإمام علي عليه السلام مع ذلك كتاب مفتوح، لمن أحسن قراءته، وأحسن فهم مصطلحاته، رغبةً في معرفته، رغبةَ طالبِ حقيقة موازية لدور الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته، فغير ممكن معرفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته، من دون معرفة بعض ما جاد به كتاب عليّ عليه السلام، لأنّ ما سطّره الحفاظ عن شخصه المُقدّس، بقي مرموزا في صُحفٍ مهموزة (1)، بالرفض، موسومة(2) بالغلوّ، في نظر من قصُرت به حيلته عن إدراك بعض مواسِمِها (3). 

وإدراكا من الإمام علي عليه السلام بأنّ طريقه وعِرةٌ، وأنّ سيرته فيها صعبة النّسج على منوالها، فقد نبّه عليها من خلال تلميحاته وتحذيراته ونصائحه، فقد نقلوا عنه: (هلك فيّ رجلان: محب غالٍ، ومبغض قال)(4) وبلفظ مختلف: (يهلك فيّ رجلان: محب مفرط وباهت مفتر)(5) (سيهلك فيّ صنفان: محب مفرط، يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيّ حالاً النمط الأوسط فالزموه.) (6)

كان الإمام علي عليه السلام يدرك تماما، أن اتباع نهجه مُكْلِفُ لمن سلكه وصبر عليه، ومن وقع في أسر الدنيا، وصفّدته بأصفاد بهارجها، واستغوته بزخارف زينتها، يستحيل عليه أن يقبل منها بشيء يسير، وفي قلبه لهف عليها، كيف يلتقي مع زُهْدِ رجل طلّقها طلقة بائنة لا رجعة فيها، من صحِب عليا ومضى في طريقه، لا يمكنه أن يصحب من حاربه، وأظهر بغضه وعداوته، ومن استوى عنده عليّ ومعاوية يترضّى عليهما كلّ حين، وهو غير مُدْرِك أنّه دخل باب بهْتِ شخص ومقام عليّ عليه السلام، بمساواته مع طلقاء أخيه وخصماء حقوقه، وبالتالي فقد وضع نفسه موضع المبغض لرجل، أقام صرح الإسلام بسيفه وجهد يمينه وشماله، وسقاه بعصارة جراحه ونبض قلبه ورجحان عقله.

والدنيا لها أهلها وطلّابها، ما كان لعليّ قربٌ منها، وزهده فيها كان مضرب الأمثال، هي وأتباعها وعليّ عليه السلام وأتباعه لا يلتقيان أبدا، ولا تعلّق من تعلّق بها حبّا وميلا وافتتانا،  وفي قلبه حبّ حقيقي لعلي عليه السلام، وإن صدر عن أي شخص تعبير مما يستشفّ منه حبّ، فمجرّد كلام ظاهر لا ينطبِقُ على باطنٍ فيه حبّ علي عليه السلام وموالاته، فإن من اكتفى ب(طمريه وقرصيه) من الدنيا بعد ما لفظها من حياته لفظ النواة، يستحيل أن يكون معه في صفّه عبد للدينا، وليس عبد الله بن سبأ سوى شخصية وهميّة، اختلقها بنو أميّة لضرب جبهة علي عليه السلام وتشويه صفّه، الذي طغا عليه عبّاد أهل زمانه من شيعته، فكيف يجد منحرف فيه مكانا بين هؤلاء الزّهاد العبّاد؟ 

جاء عن ضرار بن ضمرة الضّبائي عند دخوله على معاوية، ومسألته له عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، ولقد أرخى الليل سُدوله، وهو قائم في محرابه، قابضٌ على لحيته، يتململ تملمُل السّليم(7)، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: (يا دنيا يا دنيا إليك عني، أبي تعرضت أم إلي تشوّقت؟ لا حان حينك، هيهات غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبُعد السفر، وعِظمِ الموْرد، وخشونة المضجع) (8)

عن أبي بصير قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله)): إن فيك شبها من عيسى بن مريم (9) ولولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا، لا تمرّ بملأ من الناس، إلا أخذوا التراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة.) (10) ومع ذلك فقد ترك لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبيانا لما جاء في شأنه من وحي، ما يكفينا مؤونة البحث فيما عداه، ففي قوله تعالى: (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (11) أبداها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عندما تصدّق علي عليه السلام بخاتمه وهو راكع، قائلا: (عليّ وليّ كل مؤمن ومؤمنة بعدي)، واختتم توجيهه لأمّته بتنصيبه يوم الغدير: (من كنت مولاه فعلي مولاه)(12) إماما وهاديا من بعده، فحسدوه على ذلك المقام الرفيع، وعملوا على إزاحته منه بالمكر والدهاء والحيلة، فتمكنوا من ذلك عند انشغاله بتجهيز أخيه إلى مثواه، مستغلين سذاجة وانقسام الأنصار.

لقد غصبوا حكم علي عليه السلام، لكنهم لم يتمكّنوا من ازاحته عن مقامه في ارشاد الأمّة وهدايته، فقد باءوا بفشل ذريع أوقفنا على ضعف رصيدهم العلمي والديني، وباءوا بعجزهم أمامه فأقرّوا به مسلّمين له تفوقه ونبوغه عليهم، وبقي أول الناس اسلاما، تبيعا ملازما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفترق عنه في حل وترحال، هو نفسه ذلك المولود المبارك، الذي ولدته أمّه فاطمة بنت أسد في جوف الكعبة، بعد أن انفتح لها الرّكن اليماني منها، دالا إلى اليوم على تفرّد عليّ عليه السلام على من سواه بتلك الخصوصية الفريدة، ففي شهر الله رجب وفي أول أيامه البيض ولد مولى المؤمنين في بيت الله الحرام، ليكون ذخيرة صناعة مجد الإسلام بساعده ومعرفته التي حباه الله بها عن طريق نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

حبّ علي عليه السلام إيمان وبغضه نفاق وكفر، وهذا عهد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم له: (والله انه لمِمَّا عهد إليّ رسول الله، أنه لا يبغضني إلا منافق، ولا يحبني الا مؤمن) (13) وفيه دلالة صريحة، على أنّ عليا عليه السلام مثل علامة إيمان، دالة على أنّ من أحبه كان مؤمنا، ومن أبغضه كان منافقا، ولم يكن المنافقون وخبيثي الولادة إلا ببغضهم لعليّ عليه السلام، محرار مقياس الإيمان حبّ علي عليه السلام، ومحرار مقياس النفاق والكفر بُغضه، وكان حقيق له أن يكون قسيم الجنّة والنّار، فطوبى لمن أحبّه وسلك نهجه وعمل بمقتضى هدْيِه، وخيبة مسعى لمن أبغضه وحاد عن نهجه وحاربه، وأسفا لمن لم يدرك إلى اليوم حقيقة شخص عليّ وبقي تائها عن نهجه، وما هو سوى الإسلام المحمّدي الأصيل، وغير نهجه هجين اسلام الملوك والسلاطين.

حبّ عليّ عليه السلام جُنّة، وبغضه عذابٌ ودَنّة (14) سعِد في الدنيا والآخرة من أحبّه، وتعس في الدنيا والآخرة من فاته حبه، وليس سهلا أن تحب عليّا، فعليّ تجارته مع الله وتجارة غيره من أنفسهم يرفعونها بالتظاهر والتباهي، فمن أحبّ عليا سلك نهجه القويم، ذلك الصراط المستقيم الذي أنعم به الله عليه وعلى من اتبعه، عليّ باختصار كما اختصر هو مدى ارتباط المؤمنين به في قوله: ( لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها (15) على المنافق على أن يحبني ما أحبني، وذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبي الأمي أنه قال: لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق. (16)

من كان مؤمنا حقيقيا فعليه أن يسترجع موقفه السلبي من علي عليه السلام، ويعطيه حقّه في الفضل والدّور والمكانة عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، شخصيّة الإسلام الأولى بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أعزّت الدين فأعزّها بثلة من المؤمنين، الذين إذا ذُكِروا فس مجلس سبحت الملائكة بأنفاسهم، وتنزلت الرحمة بفضل تضحياتهم، ولولا علي وأخيارُ أحبائه، لما لأندرست معالم الدين، وذهبت من بعد ذهاب رسول رب العالمين، والسلام على عليّ مولى الموحّدين في ذكرى مولده، نسأل الله سبحانه أن يثبتنا على نهجه، ويزيد من تعلّقنا به حتى نلقاه يوم لا ينفع حب لا يكون فيه حبّ علي عليه السلام.

.    

 

 

المصادر

1 – مُعابة مَطعونة

2 – مُعلَّمةً

3 – أوقات بروزها

4 – نهج البلاغة الإمام علي الحكمة رقم 117 الطالب العالية ابن حجر ج16ص135// تاريخ دمشق ابن عساكر ج42 ص196/297//

5 – نهج البلاغة الإمام علي الحكمة رقم:469//أنساب الأشراف البلاذري ج2ص119

6 – نهج البلاغة الإمام علي عليه السلام الخطبة رقم 125

7 – الملدوغ أو الجريح

8 –  بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 40 ص 345

9 – زهده وعبادته واختلاف المسلمين فيه إلى فرق

10 – الكافي الشيخ الكليني ج8ص57

11 – سورة المائدة الآية 55

12- سنن الترمذي أبواب المناقب ج6ص79ح3713//سنن ابن ماجة المقدمة باب فضل علي بن أبي طالب ج1ص133ح116 وص136ح121// مسند احمد بن حنبل مسند علي بن أبي  طالب ج2ص71ح641 وص 262ح950 وص 268ح961 وص434ح1311 وأول مسند الكوفيين حديث البراء بن عازب ج30ص430ح18479 وج32ص75ح19328 ومسند الأنصار حديث بريدة  الاسلمي ج38ص32ح22945 ...

13 – مسند أحمد مسند علي بن ابي طالب ج2ص71ح642/ سنن الترمذي أبواب المناقب ج6ص94ح3736/ سنن النسائي كتاب الايمان ج8ص115ح5018/

14 – الكلام الغير مفهوم

15 – بأجمعها

16 – بحار الأنوار العلامة المجلسي ج39ص296

 

 

 

 

 

mardi 9 janvier 2024

كلمة يجب أن تقال لكلّ دعيّ



قال أحدهم وهو شيخ - وعادة الشيوخ التميّز - لن يحرر فلسطين إلا أبناء علي عليه السلام، وهو الكلام فضفاض وغير دقيق، ومجرد دعوة طائفية لن تصلح حالنا، وأمتنا في غنى عنها، وبحاجة أكيدة إلى مراجعة صادقة وشاملة لتتحسس سبيل وحدتها، ففي اجتماعها وألفتها قوة وأي قوة، وعملٌ بمقتضى قوله تعالى: (إن هذه أمّتكم أمّة واحدة) (1) كان بالإمكان القول بأن فلسطين لن تتحرر إلا باجتماع هذه الأمة المتفرقة، والمجزأة بفعل دعاة التفرقة والتجزئة، وهؤلاء كثيرون في عالمنا، ركبوا رؤوسهم ومضوا في خطبهم ينمّقون لمستمعيهم كلاما ليظهروا به في مقام العلماء الأجلاء أصحاب الرؤى الواسعة والعميقة، فينبهرون بها ويرون من خلالها مخاطبهم على درجة كبيرة من العلم والمعرفة والتقوى.

فوفي ما قاله هذا الشيخ شيء من الصحّة، فسيكون للمسلمين الشيعة النصيب الأكبر في هذا التحرير، وسيشترك فيه رجال من إيران ولبنان واليمن والعراق وسوريا وافغانستان وباكستان، ودول أخرى اشتركت شعوبها في محور مقاومة الإستكبار والصهيونية، تأثّرا بفكر الثورة الإسلامية الإيرانية، والذي ترسّخت دعائمه، ببركة قيادة الإمام الخميني رضوان الله عليه، واستلام الولي القائد الإمام الخامنئي لراية التحرير، ليقود المسيرة من بعده، وهو الذي لقّبه الشهيد بهشتي بالشهيد الحي، بعد أن تعرّض لمحاول اغتيال جبانة، نجا منها بفضل الله تعالى وتمام صدق جهوده.

محور المقاومة هذا أبعد مدى في أهدافه من الوقوف عند تحرير فلسطين، فمن الهين الخلاص من الكيان الغاصب، ونحن نرى اليوم كيف وقفت حماس والجهاد بندّية في وجه قوات الكيان الصهيوني، وهي مع مرور الأيام تسدد له ضربات رغم محدودية وسائلها، فما بالك بما يمتلكه حزب الله، لكن الذي وقف عند هذا الهدف قصير النظر محدود الرؤية، لم يدرك بعد أن القوى الاستكبارية وعلى راسها أمريكا، ستكون الى جانب هذا الكيان، ولن تبتعد وتتخلى عنه بسهولة، وقد يؤدّي مواقفها في مناصرته والوقوف إلى جانبه ومؤازرته بانكسارها.

احتساب إيران الاسلامية لهذه المواجهة المحتملة، يؤكّد سلامة نظرتها الإستراتيجية، وهو الإعتبار الصائب الذي يجب أن يؤخذه المقاومون بعين الإعتبار، دور ايران في هذا المشروع مشروع العزّة والكرامة مفصليّ أساسيّ لا ينكره عاقل، ومن جحد فضل إيران وجهودها وأهدافها التحريرية، فهو بالتأكيد حاقد مريض، ذكر فضلها وأقرّه قادة حركات المقاومة الفلسطينية جميعها، وأعلنوه على الملأ وسمعه العالم بآذان واعية وأخرى صمّاء بكماء، لذلك لن يحجب حقيقة أنّ إيران الإسلامية تحمل اليوم راية المقاومة وترفعها عالية - رغم قساوة وشدّة ضريبتها - وتوفر لها ما تحتاجه من إمكانات ووسائل، ليوفّر أكبر مجال لتحقيق النصر المؤزر.

جهود إيران هي عند الله مصانة ومحفوظة ومجزاة، ولن يبخس حقّها نعيق من نعق مراوغا، واخفاء من أخفى حاقدا،  ودعوة من ادّعى طائفة، تبقى كما أرادت إيران وامضاها باني نظامها الأمام الخميني رضوان الله عليه، قضية المسلمين والمستضعفين في العالم، وقد يسهم المسلم الصادق والمستضعف الحقيقي في تحقيق النصر، أحسن من الشيعي الذي يعيش على التمني والإنتظار السلبي، يغرّد بالانتماء إلى أئمة الهدى، من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله خارج سرب محور المقاومة، وهو يرى بأمّ عينيه اليوم ولي الفقيه يحمل راية التحرير، ورمز شرف الأمّة بكل ما في هذا البيان من معنى، فمن انخرط تحتها، فقد هُدي إلى سبيل الولي الأعظم المولى صاحب العصر والزمان، ومن ابتعد عنها، فهو تائه بين مصطلحات وتعريفات غير مجدية لن تزيده عن الحقّ إلّا بعدا، من هنا يتميّز خط العاملين في سبيل الله من خطّ الأدعياء المسوّفين.  

المراجع

1 – سورة الأنبياء الآية 92