lundi 28 octobre 2019

إذا لم نحفظ مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمقام من نحفظ؟



بقلم: محمد الرصافي المقداد
في مثل هذا اليوم من أواخر شهر صفر، سنة 11 من الهجرة النبوية، سجل التاريخ الاسلامي حادثة محزنة لقلوب المؤمنين، تمثلت في ارتقاء روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى بارئها، مثقلة بالهم والغم، وهو الحرص كل الحرص على أمته، رؤوف رحيم بهم، كما أخبرت عنه الآية الكريمة: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " (1)
نبيّنا العظيم صلى الله عليه وآله وسلم في مقامه الرفيع، بجميع ملكاته الروحية والجسدية، اصطفاه الله سبحانه وعظّم خلقه، بما لم يصف به غيره فقال: " وانك لعلى خلق عظيم " (2)
وجعله صلى الله عليه وآله وسلم مع رسالته الخاتمة، رسالة الاسلام مصدرا لرحمته فقال: " وما أرسلناك الا رحمة للعالمين" (3)
غير أن حرصه عليهم قابله فريق من الأمّة اكثر من مرة، باستخفاف واستهتار بشخصه، خلافا لما نص عليه البارئ تعالى في محكم تنزيله، على طاعته ولزوم طريقته وانتهاج سبيله، وجعل طاعة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم طاعته، ومعصيته صلى الله عليه وآله وسلم معصيته، بلا فرق أبدا.
 قال تعالى: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا." (4)
وجعل تلك الطاعة بابا من أبواب رحمته، وسببا مهمّا من أسباب رأفته، ولطفه بالمطيعين له، فقال: " اطيعوا الرسول لعلكم ترحمون" (5)
 ودعا من كان ينشد محبته، ويبحث عن قربه ورضوانه، الى اتباع نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ذنوبكم " (6)
ودعاهم الى الامتثال لأمره والأخذ بما به، دون تردد أو شك في صدق مقاله، وصواب توجيهه قال:" وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (7)
وحذّرهم من مخالفة أمره صلى الله عليه وآله وسلم، بأسوأ النتائج، فقال: " فيلحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب عظيم " (8)
ودعاهم الى احترام شخصه، وعدم معاملته كأي واحد منهم، لكن جميع دعواته مرّ عليها اغلب الصحابة ومن تبعهم الى هذا العصر مرور الكرام، فلم يرعوا منها شيئا تقريبا، إلا من رحم ربك، وهم قليل ممن اتبع الحق، وآوى الى ركن شديد.
وقد كشف لنا المولى تعالى شيئا من تلك التجاوزات، التي حصلت بحق أفضل مخلوقاته صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل بشأنها آيات بيّنات:  
" ألم تر الى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول" (9)
قال تعالى : "إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون." (10)
قال تعالى: "ويقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فاعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا." (11)
وقال جل من قائل: "ذلك بانهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب." (12)
كل هذه التحذيرات والتنبيهات لم تنفع، مع من غلبتهم شقوتهم، فحافظوا على جاهلية متأصّلة فيهم، لم تراعي أبسط القيم الانسانية، وبقوا عليها حتى بعد دخولهم الدين الاسلامي، لذلك لم يكن تعاملهم مع افضل خلق الله، بما يعبّر عن إيمان حقيقي وكامل، بحرمة العرّض له، أو استنقاص شخصه والإساءة له.
كثيرة هي الشواهد القرآنية التي فضحت سلوك قسم كبير من الصحابة، ومجال المقال لا يتسع لها، وقد جاءنا فوق ذلك من الروايات والسيرة والتاريخ، ما أثار حزننا واسفنا، تضمنت جملة من التجاوزات والاساءات بحق حبيب الرحمان، دلت على نقصان في دين وايمان هؤلاء الصحابة، الذين لا يزالون الى اليوم محل تقديس، من قسم كبير من الامة الاسلامية.
أغلب المسلمين لا يعلم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر أيامه، تعرض الى مؤامرة خطيرة، تسببت في منعه من كتابة وصيته، وهذه النصوص التي ساستعرضها، هي من كتب المقدسين لهؤلاء الصحابة، والمقدمين لهم على ساداتهم وكبرائهم، والمقربين حقا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وليس من وقع تقديمهم زمن معاوية وبني امية، حتى يلتبس باطلهم بالواقع.
أربعة أيام قبل رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين 28 من شهر صفر، وفي يوم الخميس الذي حزن فيه خلّص محبي النبي ومتّبعي أمره، ومنهم عبد الله بن عباس، الذي سئل عن تلك الحادثة الأليمة، فبكى حتى بلّ دمعه الحصى - وهو لعمري بكاء شديد انهمر منه دمع  غزير بلل به الارض-  فيا ليت شعري ما هذا الامر الفظيع، الذي حرك سواكن ابن عباس، حتى يصدر منه كل ذلك الحزن الكبير؟  
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. وَأَوْصَاهُمْ بِثَلاثٍ قَالَ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ فَنَسِيتُهَا".
 وفي رواية: فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْءانُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاخْتِلاَفَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُومُوا.(13)
حادثة نقلها جميع الحفاظ والمؤرخين وأصحاب السير، فلم تفت واحدا منهم - وهذا برهن على شيء من الأمانة في نقلهم - غير أن أغلبهم برر موقف الجبهة المعارضة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والرافضة كتابته لوصيته، ووقوفهم في وجهه دون حياء ومنعه في حجرته.  
يبدوا أن التحريف الذي لحق بالرواية الثانية، من تغيير نسبة الهجر الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرف عمر، الى القول بأنه قد غلبه الوجع، كان صاحبها يعلم ثقل الكلمة وخطورتها على من قالها فحاول التغطية عليه بالتخفيف منها، وذلك العمل الذي قام به، هو جرم لا يقل سوءا عن واصف النبي بالهجر، حيث تواطئ من أجل التغطية عليه.
اربعة ايام قبل رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعامل في حجرته بتلك المعاملة الوقحة، والتصدّي لأمره بالمنع، وبرر كل ذلك على أساس من تفاهة، مثيرة لسخط الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف بمن قرأ واطلع على تلك الحادثة، أن يبقى موقرا لصاحبها، كأنما هو عدل النبوّة، أو طرف له حظ مع الله، لا يفوق النبي في شيء؟  
لماذا لم يلفتوا الى القيمة الكبيرة التي تضمنتها دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم(اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) بإحضار ادوات الكتابة، وهي وصيّة هامّة جدا، عليها مدار عدم ضلال الامة  طالما تمسّكت بها، فهل ان في كلام النبي دليل هنا على انه يهجر؟ كل مسلم عاقل لا يعتقد ذلك، وانما تحصل عنده قناعة بأن طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متلّق بأمر مصيري، رأى  ضرورة كتابته في ذلك اليوم، عندما لاحظ تمرّدا كبيرا على أمره، بإنفاذ جيش أسامة بن زيد، وأن المقتحمين عليه حجرته، هم من أولئك المتمردين.
ولا بأس من مقاربة مطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما قاله قبل ذلك مرارا من حديث الثقلين، متطابقا بمقصده الذي اراده، حيث جعل التمسك بمحتواه سببا في عدم ضلال الأمّة من بعده: " عن جابر بن عبد الله قال النبي إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تَمَسَّكم بهما لن تضلّوا بعدي: كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوضَ." (14)
ولحديث الثقلين الذي أهملت حقيقته ومقاصده، تعليقات لعدد من العلماء الذين دوّنوه مقرين بصحته، اخترت منها ثلاثة تعاليق، واحدة لابن حجر الهيثمي الذي قال في شأن أهمّيته، ومع ذلك لم يعمل به: ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابيا.. ثم الذين وقع الحث عليهم منهم، إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيده الخبر  السابق: ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنهم الرجس  الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة.(15)
والثانية قالها التفتازاني بشأن الثقلين، وتعامل معه بنفس لا مبالاة ابن حجر: لاتصافهم بالعلم والتقوى مع شرف النسب، ألا يرى أنه صلى الله عليه وسلم قرنهم بكتاب الله، في كون التمسك بهما منقذا من الضلالة، ولا معنى للتمسك بالكتاب، إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية، فكذا العترة(16)
والثالثة قالها المناوي، لكنه سلك مسلك من سبقوه، في تجاهل العترة الطاهرة، فقال في شرح الحديث: يعني إن ائتمرتم بأوامر كتابه، واهتديتم بهدي عترتي، واقتديتم بسيرتهم، فلن تضلوا. قال القرطبي: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم، يقتضي وجوب احترام أهله، وإبرارهم وتوقيرهم ومحبّتهم، وجوب الفرائض المؤكدة، التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبأنهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها، وفروعه التي نشأوا عنه، كما قال: فاطمة بضعة مني (17)
اذا أهمل أغلب علماء الاسلام مقام العترة الطاهرة عليهم السلام، وتبعهم عامة الناس، فمضوا على آثارهم، امتثالا لأوامر حكامهم، والناس على دين ملوكهم، يقودونهم على هواهم، واستمر بهم الحال على ذلك المنوال، الى زماننا هذا فقد ترسخت قناعاتهم على النّحو الذي ورثوه، بلا انتباه أو استفاقة من فضلائهم، ولعل ذلك عائد الى ثقتهم المفرطة بهم، وعدم التفطن الى الخلل الذي حملوه اليهم، فزادهم بعدا عن الحق، وطالما أن اغلب الامة الاسلامية علماء وعامة، بعيدون ومتنكبون عن صراط ائمة أهل البيت المستقيم، فإن صلاح حالها وفرجها مما وقعت فيه لن يتحقق .
مسألة اخرى من المسائل الهامّة المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عُمل على إخفائها، نظرا لخطورة وقوعها، واستهدف فيها شخصه عمدا للتخلّص منه، بعد يقين مقترفي جريمتها، أنه سيكتب وصيّته المتلّقة بالإمام علي وأهل بيته عليهم السلام، بشأن استلام زمام الحكومة بعده، فعملوا على دسّ السمّ له في لدّ لدوه به وهو مغمى عليه، الحادثة مرّت في الخفاء، وتجاهلها اغلب كتاب السيرة والمؤرخين، فلم يبق لها اثرا سوى بعض الكتب، ككتاب سليم بن قيس الهلالي، الذي اعتبره مبيضوا الصحابة كتابا غير موثوق، لكن الذي وجدته في مسند أحمد بن حنبل، يرجّح فرضية مقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسّمّ نتيجة مؤاكرة استهدفت حكومة الاسلام كما اخرج الطبري:
فقال: يا بن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت .فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت.

فقال: تكلم يا بن عباس، فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية فقال: " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرّك عنها، فتزيل منزلتك مني، فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا، فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسدا وظلما؟ فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين ظلما، فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون. فقال: عمر هيهات، أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول، وضغنا وغشا ما يزول. فقلت: مهلا يا (أمير المؤمنين) لا تصف قلوب قوم، أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش، فإن قلب رسول الله صلى الله عليه و سلم من قلوب بني هاشم. فقال عمر: إليك عني يابن عباس، فقلت: أفعل. فلما ذهبت لأقوم استحيا مني، فقال: يابن عباس مكانك فوالله إني لراع لحقك، محب لما سرك، فقلت: يا (أمير المؤمنين) إن لي عليك حقا، وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحظه أصاب، ومن أضاعه فحظه أخطأ. ثم قام فمضى. (18)
من خلال رواية الطبري، نستخلص خيوط المؤامرة على حكومة الاسلام بعد النبي، وصرفها عن صاحبها الشرعي، المؤيد بالنصوص الدالّة عليه، بالإنجازات العظيمة التي حققها مع النبي، وبالإمكانات الفكرية والعلمية التي تعلّمها منه، واجتماع هذه الدلائل تؤكّد أنّ أمرا خطيرا دبّر في الخفاء، واجتمع عليه اعداء أهل بيت النبي، بعدما تعاهدوا على المضيّ فيه الى آخر نفس.
الرواية التي جاء فيها خبر مقتل النبي أخرجها إمام الحنابلة، بعدما اقتنع بصحة ورودها اسنادا، ولا اخاله قد غفل عما جاء فيها متنا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (بن مسعود) قَالَ: لأن أحلف بِاللَّهِ تِسْعًا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ قَتْلًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا. حكم الحديث: إسناده صحيح على شرط مسلم.(19)
هذا نبيّنا نبيّ الاسلام أبو القاسم محمد بن عبد الله، وتصريحه الذي افضى به أسفا وحسرة على أمّة فرطت فيه كأنما احساس الحب والتقدير له قد مات في قلوبهم، يقبلون من أساء اليه وانتهك حقوقه، فيترضّون عليهم ويقدمونهم عليه بالادعاء بتسديد الوحي لهم، وتخطئة النبي مقابلهم، كيف يقبلون عبث المنحرفين، واذا لم يامن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم في شخصه، فكيف يمكن أن نأمن هؤلاء المقتحمين بالسوء قداسته، وحرمة شخصه وبيته، جملة أحاديثه وسيرته؟
من هذا المقام يجب علينا كمسلمين أن نراجع دسائس، تمكن أعداء الاسلام من ادخالها في تراثنا، حرّفت مسيرتنا نحو الحق، وتركتنا أجيالا متعاقبة في تيه لا مثيل له، قد تجرأت علينا أرذل الأمم، فلم يراعوا لنا حرمة.
المراجع
1 – سورة التوبة الآية 128
2 – سورة القلم الآية 4
3 – سورة الانبياء الآية 107
4 – سورة النساء الآية 80
5 – سورة ال عمران الآية 132
6 – آل عمران الآية 31
7 – سورة الحشر الآية 7
8 – سورة النور الآية 62
9 – سورة المجادلة الآية 8
10 – سورة الحجرات الآية 4
11 – سورة النساء الآية 81
12 – سورة الانفال الآية 13
13 – صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير ج4ص69ح3053 كتب الجزية باب اخراج اليهود من جزيرة العرب ج4ص99ح3168 كتاب المغازي باب مرض النبي ج6ص9ح443/ مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية ج5ص75ح1637
14 – مسند احمد مسند ابي سعيد الخدري ج17ص169 ح11104و ص211ح11131 ومسند الكوفيين حديث زيد بن ارقم ج32ص64ح 19313 وح 19265/ مسلم  كتاب فضائل الصحابة  باب فضائل علي بن ابي طالب ج7ص122ح2408/ سنن الدارمي ومن كتاب فضائل القران باب فضل من قرا القران ج4ص2090ح3359/ سنن النسائي ح8148/ سنن الترمذي ج5ص328 / المعجم الكبير الطبراني ج3ص85و ج5ص85 و166و180و186/ المعجم الوسط الطبراني ج5ص89/المستدرك الحاكم ج3ص110
15 – الصواعق المحرقة ابن حجر الهيثمي ص 126
16 – المقاصد التفتازاني ج5 ص303
17 – فيض القدير للمناوي ج3 ص14
18 – تاريخ الطبري ج 2 ص 578 
19 – مسند احمد مسند عبد الله بن مسعود ج 6ص115 ح 3617







mardi 22 octobre 2019

معاداة إيران والشيعة هدف أعداء الاسلام المحمديّ



في أول مصافحتي للفكر الاسلامي الشيعي الامامي الاثني عشري عند الايرانيين، اكتشفت فيه عدة خصال، انفرد بها لم يشاركه فيها غيره، من الاتجاهات الفكرية والفقهية الاسلامية، من ذلك ارتباطه بالنصوص القرآنية، حيث ان الوحي أخبر عن ظهورهم في آخر الزمان، وقام بربطهم بالنبي صلى الله عليه واله وسلم برابط الانتساب اليه، فقال جل من قائل: "هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين واخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم." سورة الجمعة الآيتين 2 و3 ففي اسباب نزولها اخرج البخاري
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ : "وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم." قَالَ : قُلْتُ : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ : " لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ - أَوْ رَجُلٌ - مِنْ هَؤُلَاءِ ".
(البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الجمعة ج6ص 151 ح  4897/ مسلم باب فضائل الصحابة باب فضل فارس . ج7 ص 191 ح 2546/سنن الترمذي ابواب التفسير عن رسول الله باب سورة الجمعة ج5ص 337ح3310/ ابواب المناقب عن رسول الله باب فضل العجم ج6ص 212 ح3933/مسند احمد نسند ابي هريرة ج15ص237ح940)
ولم يقف الوحي الالهي عند هذه الآية، وانما أضاف الى رصيدها، الموجه في مضمونه لقوم سلمان الفارسي، الذي زاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرفا، بان وقف في وسط الذين كانوا يستهزئون بلكنته الاعجمية، جهلا منهم بقيمته وعلو مكانته وهمته، فقال:" سلمان منا اهل البيت." (المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري في ذكر سلمان ج3 ص598 )
فقد نزل فيهم ايضا قوله تعالى: "وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم."
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ : "وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم." قَالُوا: وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْكِبِ سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ: " هَذَا وَقَوْمُهُ، هَذَا وَقَوْمُهُ ".
(سنن الترمذي ابواب تفسير القران باب ومن سورة محمد ج5ص303ح3260)
إذا كان الفرس وهم الايرانيون اليوم، بهذه المكانة والحظوة عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فماذا تعادونهم؟ أهي جرأة على الله ورسوله أم استهانة بقدر الايرانيين، منتهى الحمق والجهل أن تكونوا بهذه العقلية التافهة، أيها السبابون والمعادون لإيران الاسلام، وهذا دليل على أنكم لا تحترزون لدينكم، إن كان لكم دين من أساسه.
وعوض أن يلتفت المعادون للمسلمين الشيعة الى حالهم السيئة ووضعيتهم المتردّية، ويستفيقوا من غلفتهم، خصوصا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تلك الثورة العظيمة التي قادها الامام الخميني رضوان الله عليه، وأسس بها نظاما اسلاميا عتيدا، برهن بمرور الزمن أنه صادق في جميع وعوده، وحاضر في مواعيده المصيرية التي دعا اليها، كالتعاون والوحدة الاسلامية، وتحرير فلسطين، فيسألوا انفسهم: لماذا استمر بهم الحال من السلبية والتخلّف، الى الحد الذي اصبحوا عليه؟ ألا يمكن ان يكون ذلك مردّه الى المنهج الذي اتبعوه، وأخذوه وراثة عن آبائهم وأجدادهم؟ وقد يكون الخطأ مشتركا من جهة تقصيرهم في التفاعل مع موروثهم، ولكن الالتفات الاساس يجب ان يكون الى المنهج: من أين جاء؟ ومن الذي جاء به؟
انكم ايها الاخوة بحاجة الى التجرّد من عصبية، أثبتت عقم من لاذوا بها في التشبّث بمواقفهم، معتبرين ما وراء موروثهم خطأ وخروج عن الدين، والحقيقة كل الحقيقة هي عندهم وحدهم فقط، وهي قناعة بعيدة عن العلم والمنطق، لم يكن العلم الواقعي والصحيح في يوم منغلقا على ما حققه، ولو كان كذلك لتأخر ولما وصل الى ما وصل اليه من تقدّم.
اذا أردتم معرفة أي فكر أو عقيدة، فتعرّفوا عليه من مصادر أهله المعتمدة، اقرؤوا كتبهم التي ألّفها كبار علمائهم، ولا تذهبوا الى الشواذ منهم ولا مخلفيهم لتحكموا عليهم بالباطل، بل احكموا عليهم من أمّهات مراجعهم العقائدية والفقهية والروائية، وكلامي الأخير موجّه الى ذوي التخصص في العلوم الاسلامية فقط، لأنهم يمتلكون آلية التمييز العلمي.
لا اريد الخوض في المسائل الفكرية والعقائدية هنا -  وإن كان لها أهميتها في اقناع الطرف المقابل - فالمقال لا يسمح طلبا للإختصار، ما أودّ تبليغه للجميع أن الاسلام بقرآنه ونبيّه يجمع ولا يفرّق، والاعتقاد بالشهادتين والنّطق بهما، كاف لدخول قائلهما في الاسلام، فلا يحقّ لأحد، كائنا من كان، أن يحكم عليه بالخروج من الدين الحنيف، ومن حكم على مسلم شيعي أو غيره بالخروج من الاسلام، وهو يراه قائما صائما في الحج، فقد أخطأ خطأ فادحا، سيتحمل تبعاته حتما، يوم لا ينفعه مال سعودي ولا عطاء اماراتي.  
يجب على من انخرط في موجة معاداة الشيعة وإيران، أن يلتفت الى تموقعه في الحملة المغرضة، أين هو فيها؟ اليس قد وجد نفسه في وسط صهيوني غربي، معاد للإسلام والمسلمين، محاط بحزام من انظمة العمالة للصهيونية والغرب، قكيف به والحال تلك، ان يرضى بأن يكون مع هؤلاء الأعداء؟ ويغتر ويصدّق ادعاءات أشباه علماء، بانحراف الشيعة عن الاسلام؟
إيران الاسلامية تقود جبهة المقاومة، حبّ من حبّ وكره من كره، منذ أن دعا الى تأسيسها مفجّر الثورة الاسلامية، وقد بلغت اليوم درجة الاقتدار والتمكّن العسكري، تصنيعا وتطوّرا تكنولوجيا وعملا تنظيميا، ما يزال بقية المسلمين بعيدين عنه، بل لعله غير مدرج في حساباتهم بالمرّة، ماضية في طريق عزة الاسلام والمسلمين، قد استبعدت من حساباتها التمييز المذهبي، فهي لا تفرّق بين حركات المقاومة الفلسطينية وبين حزب الله، فجميعهم مدعومين منها، ساهرة على حظوظهم في تحقيق النصر النهائي على الكيان الصهيوني، ولن يتأخر ذلك بحول الله تعالى.
لن تضرّ ايران الاسلامية، ولا المسلمين الشيعة من ورائها، كلمات الحقد التي يتلفّظها الجهلة والحمقى، فلا المجوسية دينهم، ولا الصفوية حاضرهم، ولا عبّاد القبور نسبتهم، جميع الاراجيف بحقهم ساقطة، كسقوط دعاة الفتنة، والفتنة اشد من القتل، تذكروا أيها الحاقدون أن للتاريخ مزبلة، ستكون فيها نهايتكم، مع كل الخبث والدناءة التي رميتم بها شرفاء الأمة، أنتم احقر شأنا من أن أكتب عنكم، ولكن الواجب دفعني الى أن أنبّه من في قلبه بقية دين، لكي يحذركم ويتجنّبكم، لكي لا يرد موردكم، وبئس الورد المورود.  




lundi 21 octobre 2019

معاداة المسلمين الشيعة من يقف وراءها؟





قبل الخوض في مسألة من أخطر المسائل المبتلات بها هذه الامة، وشعبنا التونسي جزء لا يتجزأ منها، لا بد من اشارة الى أن تهديد الارهاب لمجتمعنا قد استوطن في عقول بعض، ممن آثر أن يسلك طرق الاقصاء، ويتخذ من قناعاته وتصوّراته، حصنا تترّس بداخله، ليقذف غيره، بما رآه مناسبا لاتهامهم وتشويههم.
 ما اكتبه اليوم هو كلمة صريحة، يحقّ لي أن أعبّر بها على الخطر، الذي ما زال يداهم مجتمعنا من الداخل، رغم تناقص أعداد التكفيريين من تونس، والحمد لله فقد كفانا الله شرّ جحافل، من استدرجهم تجار صفقات نقل الاهاب من بلد الى آخر، تغذية لمؤامرات ثبت تورط أمريكا والصهيونية العالمية فيها، كما حصل في سوريا والعراق واليمن وليبيا، حيث لم يجدوا وسيلة دمار، يدفعون بها الى تلك الساحات، سوى تلك الوحوش الوهابية التكفيرية، التي برهنت جماعتها  أنها أسوأ تنظيم ارهابي وجد، بصناعة بريطانية أمريكية صهيونية.
ان الخطر الحقيقي الذي يهدد مجتمعنا - ولا يختلف عن خطر الارهاب في شيء- يكمن في انه يوجد بيننا أناس أدعياء علم وثقافة، ركبوا الشخصنة ركوبا غير مستحق، وظهروا بعد ثورة 14/1/2011، بعدما سمحت لهم الأجواء بوجوه ثورية مزيّفة، قد شحنت قلوبهم بالعداء على فئة أو فئات من المجتمع، بسبب معتقدهم وفكرهم، وكل دعوة تتبنى اقصاء أو عداء، موجّه الى فئة ما من مجتمعنا هي دعوة ارهابية، محاربة لأفكار ومعتقدات المواطن التونسي، يجب أن تقف عند حدّها، ويحاسب دعاتها بما يقتضيه الدستور ويجرّمه القانون.
لماذا لم ينتهي النّافخون في بوق التحريض، على قسم من المواطنين، بسبب اختيارهم العقائدي، من حملاتهم العدائية؟
الا يدعو هذا التسلسل في التحريض من أشخاص قريبون من الإخوان، لم يكن لهم وجود ثقافي أو سياسي، او حتى اجتماعي في زمن ما قبل 14 جانفي الى التساؤل، إن كان نفس النفس الوهابي التكفيري الذي يذكّي نيرانه آل سعود بشهادة وليّ عهدهم، عندما قال إن جهود نظامه بأفريقيا - وتونس منها طبعا- في الحدّ من انتشار التشيّع في بلدانها، قد قلّص ارتفاعه الى حدّ كبير، هو الذي يقف وراء هذه الحملات، التي لم تهدأ منذ ذلك التاريخ، والمتورّطون وعلى رأسهم شخصيات إخوانية، حملت من قبل في داخلها فكرة التصدّي المسلمين الشيعة، زمن كانت مضطهدة، فما بالك اليوم؟
هذا التوجّه والتحرك المريب، لا يمكن عنونته بغير الارهاب العقائدي والفكري، الذي مارسه بورقيبة وبن علي سابقا، واستلم عهدته بعد 14 جانفي شرذمة من تجار الدين، وأدعياء حقوق الانسان، وراكبي موجة الثورة والنضال، لا اعتقد أنّ الاوساط الفكرية والحقوقية، وعامة الشعب التونسي، سيقبلون بهكذا دعوات تحريضية، لا مكان لها لا في دستور ولا في روح الانفتاح والتسامح التي عرفت بها تونس.     
ولا يشرّفني ذكر اسماء دعاة الفتنة التحريض على المسلمين الشيعة، لأنهم أقلّ شأنا من ان ألطّخ مقالي هذا بهم، لكن لا يمنعني ذلك من أن أدعو لهم بالهداية، والاقلاع عن ترويج الاباطيل التي سئم التونسيون منها ومجّوها، حتى لم يعد لها مكان في اهتماماتهم، وإنّما اهتمامهم اليوم منصبّ على إخراج البلاد من حال الركود والانحدار الاقتصادي، الى الرّقيّ والتقدّم الذي ننشده جميعا.
إن وجود الشيعة كمنهج تعبّدي إسلامي لا يشكّل خطرا، كما يدّعي روّاد السفارة السعودية، وحملة فتنتها الى داخل اوساط الشعب التونسي، بل برهنوا على مدى نشأة أفرادهم، وتحوّلهم بعد بحث وتقصّ عميقين، من الاتباع الوراثي للمذهب المالكي، الى منهج أئمة أهل البيت عليهم السلام، اذعانا للنصوص الصحيحة، التي وجدوها في كتب مخالفي الشيعة، وهي لعمري أدلّة قويّة، لا تقبل الشك في رجحان اتباعهم.
إن الذي قال: "إن الشيعة أخطر على الاسلام من ايّ خطر آخر." ليس في مقدوره اثبات شيء من مقالته، وانما اراد بها اثارة الفزع والخوف بين التونسيين، من مذهب أثبت على مرّ التاريخ، أنه اسلامي عقيدة وشريعة، لا يختلف في شيء تقريبا عن بقية المذاهب الاسلامية، ومن أجل اطفاء نائرة فتن التناحر المذهبي، التي كانت سببا في ضعف انتشار الاسلام وتفكك عرى وحدة شعوبه. تأسس مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية في مصر سنة 1947 على يدي كل من الشيخ محمود شلتوت شيخ جامع الأزهر والشيخ محمد تقي القمي أحد علماء ايران، وفي سنة 1959 أصدر الشيخ شلتوت فتواه الشهيرة، التي نصّت على جواز التّعبّد على مذهب الشيعة، شانه في ذلك شأن المذاهب الاربعة واعتقد ان ذلك الشيخ الجليل كان متفطنا بعد اطلاعه طبعا على المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري أن حصر الاسلام في اربعة مذاهب كان خطأ فادحا ارتكبه سلاطين الدولة العباسية والمماليك الذين بنوا اساست حكمهم على معادات المسلمين الشيعة، لرفضهم الدخول في طاعة الظالمين واساس عقيدتهم مبنية على معاداة الظلم واهله، ومن هنا بدأت محاربة الشيعة.
بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، واستلام العميل السادات الحكم في مصر، توجّه الرجل الى التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومعاداة  ايران والشيعة، فأغلقت دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة، بعد الثورة الاسلامية الايرانية سنة 1979، بأمر حكومي غير خافية أهدافه، ولم يقع تجديد الفكرة الا في سنة 1990، على يد قائد الثورة الاسلامية الامام الخامنئي في طهران، حيث تأسس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، وهو ينشط الى اليوم، ويقدم خدمات فكرية جليلة في شتى انحاء العالم، من شأنها أن تجمع المسلمين على راية الاسلام العامة، وتسقط من خلال اصداراتها وندواتها ومؤتمراتها، كل دعوات الفتنة والتفرقة التي تتعالى أبواقها من بلد اسلامي الى آخر، خدمة لأجندات معادية للإسلام بكل مذاهبه.
ولا يمكن لشعب أو أمّة أن تزدهر وتنمو، الا اذا تعايش أفرادها فكريا وعقائديا باختلاف قناعاتهم، بعيدا عن التعصّب الاعمى والاصرار على الموروث على علّاته، لذلك فإنني على ثقة تامة من أن دعوات الفتنة والاثارة على المسلمين الشيعة، ستلقى جدارا من وعي الشعب التونسي، وقوة من احكام الدستور، الذي يكفل حرية التفكير والمعتقد، وعلى دعاة هذه النّعرات الفاسدة أن يصمتوا، أو يتحمّلوا تبعات تحريضاتهم الخبيثة أمام القضاء.
واخيرا اقول، ليس الارهابي من يحمل السلاح ليقتل الابرياء فقط، وإنما الارهابي أيضا من يعمل على قتل غيره فكريا وعقائديا.


samedi 19 octobre 2019

فخّ شرق الفرات الذي وقع فيه أردوغان




كان الكثيرون ممن كبرت في عقولهم أمريكا وسياساتها العدوانية، يعتقدون أن خروج القوات الأمريكية من شرق الفرات، يعتبر من المستحيلات التي لا يمكن أن تحصل الا برغبة أمريكية محضة، لا تخضع لتأثير عامل من العوامل يفرض على ادارتها، لذلك كان اعتقادهم بأن بقاءها على المناطق التي احتلتها بذريعة حماية الأكراد، سيدوم زمنا طويلا.
من جانب آخر، يبدو الموقف الكردي الذي ظهر من (قسد)، خلال فترة دخول القوات الامريكية المعادية لسوريا حكومة وارضا وشعبا، متواطئ مع تلك القوات، وقد عبر أغلب ممثلي التيارات السياسية الكردية، عن موافقتهم ورضاهم بوجود تلك القوات الغازية بينهم، فلم يقابلوها بأدنى مقاومة تذكر، وفي اعتقادهم أنها جاءت لغرض حمايتهم، فمهّدوا لها طريق الانتشار ولبّوا طلباتها، وهي لعمري خيانة عظمى بحق الوطن السوري.
انتشرت القوات الامريكية كما هو معروف، منذ شهر اكتوبر 2015، بأعداد صغيرة، ثم تتالت زيادتها الى أو صلت الى 2000 عسكري، بكافة اسلحتهم واعتدتهم، وتمركزوا في القواعد والنقاط التالية: (مطار رميلان/ قاعدة عين العرب (كوباني)/ المبروكة/ مطار روباريا/ تل بيدر/ تل ابيض) هذا التواجد والانتشار كان مطروحا من طرف جون بولتن توسعته ليصل الى 50.000 عسكري.
وغير خاف على المتابعين للشأن العسكري في منطقة الشرق الأوسط، أن الاهداف الامريكية الغير معلنة من هذا التواجد، هو أساسا تنشئة قواعد عسكرية لحماية الكيان الصهيوني من جهة، وتهديد ايران الاسلامية من جهة اخرى، وأيضا تفتيت وحدة الأراضي السورية، بمساندة الاكراد على تأسيس قوات عسكرية خاصة بهم، بإمكانها أن تتصدى للقوات النظامية السورية، في حال اندلاع مواجهة بينهما.
لقد كان دخول القوات الامريكية الى شرق الفرات السوري، بعنوان التحالف الدولي الذي ضم 68 دولة لمحاربة داعش، وداعش كما يعلم الجميع، جماعة ارهابية وهابية، تكونت من طرف المخابرات الامريكية نفسها، والتحالف نفسه كانت مهمّته الابقاء على داعش وليس القضاء عليها، ومن قضى عليها فعليا هي ارادة العراق وسوريا بمساعدة فعلية وحقيقة من ايران وروسيا.
اذا ما الهدف من التواجد العسكري الامريكي بسوريا؟
يهدف التواجد الامريكي في الشمال السوري الى غايات متعددة تسعى الادارة الامريكية للوصول اليها، لعلّ أهمّها منع ايران من انشاء خط برّي متصل بسوريا عبر الاراضي العراقية يصل الى البحر الابيض المتوسط ولبنان، يكون أساسا خط امداد لقوى المقاومة ، كما يهدف أيضا الى محاولة فرض معادلة للنفوذ الروسي المتنامي في سوريا بعد القاعدة البحرية الروسية بطرطوس، والقاعدة الجوية باللاذقية، تعزيز التحالف الاستراتيجي بينها وبين القوات الكردية (قسد)، ومساعدة الاكراد على تنفيذ مخططهم الانفصالي الأوّلي، في شكل إدارة محلّية، تتعامل فيدراليا مع الحكومة المركزية الشرعية، ثم يذهب زعماء الاكراد الى الانفصال الكامل. ويبحث التواجد العسكري الامريكي  من ضمن خططه أيضا، امكانية اقامة قاعدة جوية في المناطق الكردية، قد تكون بديلا  لقاعدة (انجرليك) التركية، في حال وقوع ازمة بين تركيا وامريكا، تصبح فيه القاعدة التركية، محل طلب استعادة من الحكومة التركية، بوقف عقد استغلالها من القوات الامريكية.
الموقف الأخير الذي صرح به الرئيس الامريكي، بسحب قواته من سوريا يبدو مفاجئا، ويأتي معاكسا تماما، للاستراتيجية الامريكية، ونواياها الواضحة المعالم في البقاء هناك، من أجل العمل على اعاقة استعادة القوات السورية لكامل اراضيها، بالحفاظ على تلك المناطق، التي يتواجد فيها ما سمّي بالجيش الحرّ، ( وانما هو عبد لأعداء سوريا)، وقوات قسد التي تحسب ايضا على المعارضة خارج السيطرة.
انقلاب الموازين لصالح من؟
اخلاء التواجد العسكري الأمريكي في شرق الفرات، قد يكون فخّا أمريكا، يسعى للإيقاع بأردوغان - رغم أنه حليفها – لكي يعود بهزيمة نكراء من شرق الفرات، من حدود احلامه العثمانية، الى أحلامه المعقولة، فهو قد أصبح مزعجا للجميع الغرب والعرب على حدّ سواء.
العملية العسكرية التي بدأها الجيش التركي في هذا الشهر تحت اسم (نبع السلام) تهدف الى احتلال حزام عازل من الاراضي السورية الواقعة تحت سيطرة القوات الكردية (قسد) بعمق 30 كلم، لابعاد التهديد الكردي، المتمثل في حزب العمال الكردستاني، عن الحدود التركية الجنوبية من الشمال السوري، وتوطين ما يقارب الثلاثة ملايين سوري، نزح منهم الى تركيا في بداية المؤامرة قسرا، وفرّ منهم بعد ذلك من فرّ، توقّيا من المعارك الدائرة حينها بين الجيش السوري واعداء وطنه.
التوغل التركي الجديد، جاء متزامنا مع انسحاب القوات الامريكية، من الاراضي المستهدفة من اردوغان وحكومته، كأنما هنالك اتفاق قد أبرم بين الطرفين - الامريكي والتركي- بعد الفشل الذريع الذي مني به مشروعهما الارهابي، المتمثل في تفتيت قوى العراق وسوريا بواسطة داعش والنصرة، من أجل ابقاء المنطقة مسيطرا عليها، وفي خدمة مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي ترعاه أمريكا وحلفاءها وعملاءها في المنطقة العربية، ويسمح للكيان الصهيوني بالتمدد في جميع الاتجاهات، ليكون المشرف والراعي الوحيد للمصالح الأمريكية فيها.
المهمّة المناطة بتركيا أو بأمريكا، سيّان فهما عضوان في حلف الناتو، هي تهريب بقية ارهابيي داعش، لأنّ مهمتهم انتهت في سوريا، وستبدأ حتما في منطقة عربية اخرى، على الارجح ان تكون ليبيا أو اليمن أو تعود من جديد الى العراق حسب الفرصة المتاحة، ولا يحول دونها سوى مدى وعي الشعب العراقي.
ليس مهمّا التطرّق الى التنديدات الصادرة من هذه الدولة أو تلك، أو من هذا الاتحاد أو تلك الجامعة، فالجميع شهود سلبيون ليس بمقدورهم فعل شيء، لكن المهمّ بالنسبة لنا كمسلمين، ان لا نسكت على انتهاك دولة - تعتبر نفسها مسلمة - لأراضي دولة جارة، وتشريد عشرات الآلاف من مواطنيها، وتعريض قسم منهم للقتل المحقق، جراء القصف المدفعي والجوّي، وهذا ما لا يسمح به دين ولا عرف ولا انسانية، ما يجب أن يتذكره المهللون للتوغل التركي، أن تاريخ تركيا اسود بجرائم الحرب قديما وحديثا، والانتهاكات الصارخة والابادة العرقية التي ارتكبتها قواتها بحق الارمن مثلا، باقية وصمة عار على جبينها، وتتكرر هذه النعرة اليوم في اطماع السلطان العثماني الجديد، في نفط شرق الفرات الذي هرّب منه الارهابيون الى تركيا  خلال احتلالهم للمنطقة، وبيع للحكومة التركية بأسعار بخسة.
يبدو أن هناك مشروع حرب تهيئ له امريكا، بين العرب والاتراك، وهو بلا شك ان نجحت في اشعال فتيله، فسيخدم حتما الكيان الصهيوني، وينفّس عنه ما يتهدده من محور المقاومة، فهل، لأن أي بندقية اسلامية تصوّب نحو هدف آخر غير الكيان الصهيوني، هي بندقية منحرفة عن هدفها، فمتى سيعي المسلمون وخصوصا  العرب والاتراك، ويميزوا بين الصديق والعدوّ؟